تستعد الولايات المتحدة للاحتفال بعيدها الـ 250 في عام 2026، وتسعى اللجنة المنظمة لهذا الحدث التاريخي لتحويل هذه المناسبة إلى أكبر حراك للعمل التطوعي في تاريخ البلاد. يهدف برنامج “أمريكا تعطي” الذي أُعلن عنه مؤخرًا إلى إحياء ثقافة الخدمة المجتمعية التي شهدت تراجعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، خاصة بعد جائحة كوفيد-19. فهل ستنجح هذه المبادرة في حشد طاقات الأمريكيين لخدمة مجتمعاتهم؟
إحياء ثقافة التطوع في أمريكا
تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة انخفاضًا في معدلات التطوع في الولايات المتحدة. فقد أشار استطلاع أجرته AP-NORC في ديسمبر الماضي إلى أن 28% فقط من الأمريكيين تطوعوا بوقتهم خلال العام لصالح منظمات خيرية دينية أو علمانية، وهو رقم أقل من المستويات التي كانت سائدة قبل الجائحة. لا تضع اللجنة المنظمة رقمًا محددًا لساعات الخدمة المطلوبة، بل تركز على خلق زخم وطني يشجع على المشاركة المجتمعية المستدامة، والتي من شأنها تعزيز قدرات المنظمات غير الربحية بعد عام 2026.
التمويل لهذا البرنامج الضخم يأتي من مخصصات الكونغرس ومن شركات راعية كبرى مثل وول مارت وكوكا كولا، مما يعكس الدعم الواسع النطاق لهذه المبادرة. يتيح البرنامج للمتطوعين تسجيل التزاماتهم وساعات عملهم التطوعية عبر منصة رقمية، مما يسهل تتبع المساهمات وقياس التأثير.
مبادرات متنوعة للتشجيع على العمل التطوعي
يشارك في برنامج “أمريكا تعطي” العديد من المنظمات غير الربحية البارزة، حيث تقدم كل منها مبادرات خاصة بها. على سبيل المثال:
- فتيات الكشافة الأمريكية: ستقدم شارة تطوع لكل من عضواتها اللاتي يكملن مشروعًا خدميًا.
- منظمة Keep America Beautiful: تقود جهودًا لتنظيف 250 مليون قطعة من القمامة بحلول الرابع من يوليو.
- JustServe: تنظم توزيع 250 شاحنة صغيرة لنقل التبرعات الغذائية إلى 250 بنك طعام في جميع أنحاء البلاد.
تقول روزي ريوس، رئيسة “أمريكا 250″، أن الهدف من هذه المبادرة يتجاوز مجرد الاحتفال بالماضي، بل يركز على بناء مستقبل أفضل من خلال غرس قيمة الخدمة المجتمعية في نفوس الأجيال القادمة. “نحن نؤمن بشدة بأن هذا الأمر يتعلق بالمستقبل بقدر ما يتعلق بالماضي. وخاصة هذا الجيل القادم، نريد أن نعطيهم شيئًا يؤمنون به.”
استهداف الشباب: التحدي والفرصة
يشكل جذب المتطوعين الشباب تحديًا كبيرًا للمنظمات غير الربحية. فوفقًا لمسح أجري في مارس 2019، تطوع حوالي ربع البالغين دون سن الثلاثين لصالح الأعمال الخيرية، مقارنة بـ 36% من كبار السن الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا.
لهذا السبب، تركز “أمريكا تعطي” بشكل خاص على التواصل مع الشباب من خلال التعاون مع المدارس الثانوية التي تتبنى خدمة المجتمع كشرط للتخرج. وتهدف المبادرة إلى بناء عادات العطاء التي تستمر بعد انتهاء المرحلة الدراسية. تؤكد ريوس على حماس الشباب وقدرتهم على إحداث تغيير حقيقي، وتسعى إلى إلهامهم وتشجيعهم على المشاركة الفعالة.
تعتقد صوفيا ألفاريز، قائدة مكتب Youth250، أن الشباب يبحثون عن “مساحات ثالثة” – أماكن خارج المنزل والمدرسة والعمل حيث يشعرون بالأمان ويمكنهم التواصل مع الآخرين دون تكبد نفقات مالية. إن المشاركة في الأنشطة التطوعية يمكن أن توفر هذه المساحات وتعزز الشعور بالانتماء للمجتمع.
تجاوز الانقسامات وتعزيز الوحدة الوطنية
في ظل الاستقطاب السياسي والانقسامات الاجتماعية المتزايدة، يمثل برنامج “أمريكا تعطي” محاولة لتوحيد الأمريكيين حول هدف مشترك. تدرك اللجنة المنظمة هذه التحديات وتسعى إلى التغلب عليها من خلال التأكيد على أن الخدمة المجتمعية هي حق أمريكي أساسي يمكن للجميع المشاركة فيه.
تقول ريوس: “الأمر يتعلق بدولة واحدة. أعتقد أنه سيكون هناك الكثير من الأشخاص الذين يشعرون الآن، أكثر من أي وقت مضى، أننا جميعًا بحاجة إلى الوقوف معًا.”
تتوقع جنيفر لوسون، الرئيس التنفيذي لشركة Keep America Beautiful، أن مبادرة تنظيف البيئة ستكون بمثابة نقطة التقاء للأفراد من مختلف الخلفيات. “الوطنية في هذا البلد هي فعل عطاء للمجتمع، وليست مجرد عرض للأعلام والقبعات ثلاثية الزوايا.”
الاستدامة وبناء العادات
لا يقتصر برنامج “أمريكا تعطي” على حشد المتطوعين خلال العام الاحتفالي فحسب، بل يهدف أيضًا إلى بناء عادات العطاء والاستدامة على المدى الطويل. سيتمكن المتطوعون الذين يسجلون ساعات خدمتهم من المشاركة في مسابقة يانصيب للفوز بمنح مالية للمنظمات غير الربحية التي يختارونها.
بالإضافة إلى ذلك، يخطط البرنامج لتنظيم فعاليات تطوعية وطنية في أيام مهمة مثل يوم مارتن لوثر كينغ جونيور ويوم 11 سبتمبر. ويؤكد ريوس على أهمية إبقاء الخدمة المجتمعية في صدارة اهتمامات الناس على مدار العام.
في الختام، يمثل برنامج “أمريكا تعطي” مبادرة طموحة تهدف إلى إحياء ثقافة التطوع في الولايات المتحدة وتحويل الاحتفال بعيدها الـ 250 إلى فرصة لتعزيز الوحدة الوطنية وبناء مستقبل أفضل للجميع. سيساهم نجاح هذا البرنامج في تقوية المجتمعات الأمريكية وإلهام الأجيال القادمة لخدمة بلادهم والعالم. شاركوا في هذه المبادرة، واجعلوا من عام 2026 بداية لعهد جديد من العطاء والمشاركة المجتمعية.
