مع بدء موسم الذروة للسفر خلال العطلات، وبعد القيود التي فرضتها جائحة كورونا على حركة الطيران، يبحث المسافرون والعاملون في المطارات عن لحظة من الهدوء والسكينة. قد يبدو العثور على مكان هادئ وسط صخب المطار مهمة مستحيلة، لكن مصليات المطار تقدم ملاذًا روحيًا فريدًا من نوعه، يعود تاريخه لعقود، وتستقبل المصلين من مختلف الخلفيات. هذه المساحات، التي غالبًا ما تكون مخفية عن الأنظار، تحمل في طياتها تاريخًا عميقًا ودورًا اجتماعيًا مهمًا.
تاريخ مصليات المطار: من خدمة العمال إلى ملاذ المسافرين
بدأت فكرة إنشاء مصليات في المطارات في الخمسينيات من القرن الماضي، مدفوعة برغبة الكنيسة الكاثوليكية في خدمة العاملين في المطارات. كان الهدف هو توفير مكان للموظفين لأداء شعائرهم الدينية، خاصةً مع طبيعة عملهم التي تتطلب منهم قضاء ساعات طويلة في مكان العمل، وقد تتداخل مع أوقات الصلاة. كنيسة سيدة الخطوط الجوية في مطار لوغان الدولي في بوسطن تعتبر على نطاق واسع أول كنيسة صغيرة في مطار في الولايات المتحدة.
القس بريان دالي، أحد الكهنة المسؤولين عن الكنيسة، يصف شعوره بالارتياح لرؤية حقائب السفر وملابس العمل في الكنيسة، قائلاً: “إنه يعطي الأمل بأنك تخدم حاجة ما”. لم تقتصر هذه المبادرة على الكاثوليك، بل امتدت لتشمل مصليات للبروتستانت واليهود في المطارات الأمريكية الأخرى في السبعينيات والثمانينيات.
ملاذ روحي في قلب المطار: تجارب شخصية
في منتصف نهار يوم جمعة، كان رجل يحمل حقيبة يد يصلي بخشوع على سجادة في الجزء الخلفي من كنيسة سيدة الخطوط الجوية. في الوقت نفسه، اندفع عدد من موظفي شركة الطيران، وهم يرتدون سترات عاكسة، لأداء الصلوات القصيرة ورسم إشارة الصليب بالماء المبارك قبل العودة إلى عملهم.
بريان بابكوك، عامل الأمتعة في شركة ساوثويست، يتردد على الكنيسة الصغيرة كل يوم تقريبًا في بداية نوبته. يعبر عن امتنانه لوجود هذا المكان الهادئ بالقرب من مكان عمله، قائلاً: “إنه لأمر رائع أن يكون لدي كنيسة صغيرة على مسافة قريبة من مكان عملي”. هذه الشهادات تعكس الأثر الإيجابي الذي تحدثه مصليات المطار في حياة العاملين والمسافرين على حد سواء.
تطور مصليات المطار: من الطائفية إلى الحوار بين الأديان
مع مرور الوقت، وتراجع التدين، ونقص عدد الكهنة، بدأت العديد من مصليات المطار في التحول إلى مساحات للحوار بين الأديان. بدلاً من تخصيصها لديانة واحدة، أصبحت هذه المساحات مفتوحة للجميع، وتحتوي على رموز قابلة للإزالة للأديان المختلفة، أو حتى مجرد “مساحات للتأمل” هادئة.
ويندي كادج، رئيس وأستاذ علم الاجتماع في كلية برين ماور، تشير إلى أن معظم مصليات المطار في الولايات المتحدة تحولت إلى مساحات متعددة الأديان خلال الثلاثين عامًا الماضية. ومع ذلك، لا تزال كنيسة سيدة الخطوط الجوية في بوسطن تحتفظ بهويتها الكاثوليكية، مع وجود سجادة صلاة إسلامية بشكل خفي في الخلف، مما يدل على ترحيبها بالمصلين من مختلف الأديان.
التحديات والمستقبل: الحفاظ على هذه المساحات الثمينة
تواجه مصليات المطار تحديات عديدة، بما في ذلك التكاليف التشغيلية، والقيود المفروضة على المساحات، والتغيرات في التركيبة السكانية للمسافرين والعاملين. ومع ذلك، يرى القائمون على هذه المصليات أنها تلعب دورًا حيويًا في توفير الراحة الروحية والدعم النفسي للأشخاص الذين يحتاجون إليه.
القس مايكل زانيولو، القس الكاثوليكي الذي يدير كنائس مطار شيكاغو المشترك بين الأديان، يؤكد على أهمية هذه المساحات، قائلاً: “الجميع ممتنون لوجود مكان هادئ للصلاة”. ويضيف أن “عميلنا الأول هو عامل المطار. والمسافر هو قطعة الزينة على الكعكة”.
يأمل القائمون على مصليات المطار في الحفاظ على هذه المساحات الثمينة، وتطويرها لتلبية احتياجات المسافرين والعاملين في القرن الحادي والعشرين. إنها أماكن فريدة من نوعها، تجمع بين الروحانية والعمل، وتقدم ملاذًا هادئًا في قلب صخب الحياة الحديثة. مصليات المطار ليست مجرد أماكن للعبادة، بل هي رموز للأمل والتسامح والتعايش السلمي.
العبادة في المطار: أكثر من مجرد مكان للصلاة
تتميز هذه المصليات بطابعها الخاص، المتأثر بالتاريخ المحلي والتركيبة السكانية، بالإضافة إلى الترتيبات التي يتم التفاوض عليها بين الزعماء الدينيين وسلطات المطارات. تتراوح هذه الترتيبات من الإيجار الرمزي إلى السماح بالإعلان عن الخدمات الدينية عبر نظام الصوت في المطار.
في مطار أوهير الدولي في شيكاغو، توجد مطبوعات لجدول صلاة المسلمين وجدول قداس الكاثوليك والبروتستانت معًا. هذا يعكس التزام المطار بتوفير مساحة للعبادة لجميع الأديان. إن وجود هذه المساحات يعزز الشعور بالانتماء والراحة للمسافرين والعاملين، ويساهم في خلق بيئة إيجابية في المطار. مصليات المطار هي شهادة على أهمية الروحانية في حياة الناس، وعلى قدرة الأديان المختلفة على التعايش بسلام.
