مدينة الفاتيكان – في خطوة تؤكد على أهمية الأسرة التقليدية، شددت الكنيسة الكاثوليكية على قيمة الزواج الأحادي بين الرجل والمرأة، وذلك استجابة لمخاوف أثيرت من قبل الأساقفة الأفارقة بشأن انتشار ممارسة تعدد الزوجات في مجتمعاتهم. هذه الخطوة تأتي في سياق نقاش عالمي حول تعريف الزواج ودوره في المجتمع، وتوضح رؤية الفاتيكان الثابتة في هذا الشأن.

تأكيد على مبادئ الزواج التقليدي

أصدر مكتب الفاتيكان العقائدي وثيقة مفصلة تؤكد أن الكنيسة الكاثوليكية لديها موقف راسخ يدعم عدم جواز حل الزواج، معتبرة إياه اتحادًا مقدسًا ومستمرًا مدى الحياة بين الزوجين. الوثيقة لم تكتفِ بالتأكيد على هذا المبدأ، بل سعت إلى توضيح أن هذا الموقف، على الرغم من أهميته، لم يكن مفهومًا بشكل كامل على نطاق واسع، خاصة في بعض المناطق التي تشهد ممارسات مختلفة.

استجابة لمخاوف الأساقفة الأفارقة

ونظرًا للشكاوى المتكررة التي وردت من الأساقفة الأفارقة خلال الاجتماعات والزيارات للفاتيكان، والتي أشارت إلى ممارسة تعدد الزوجات على نطاق واسع، بادرت الكنيسة بإصدار هذه الوثيقة التوجيهية. كان الهدف هو تقديم دعم روحي وعقائدي للأساقفة الأفارقة لمواجهة هذا التحدي، وتوضيح الموقف الكاثوليكي بشأن الزواج في سياق ثقافي متنوع.

“جسد واحد”: دراسة في العقيدة والفكر المسيحي

الوثيقة، التي تحمل عنوان “جسد واحد: في مديح الزواج الأحادي”، ليست مجرد رد فعل على وضع معين، بل هي دراسة متعمقة في تاريخ العقيدة المسيحية وتطور مفهوم الزواج عبر العصور. تتتبع الوثيقة كيف نظر الكتاب المقدس والشعر واللاهوت المسيحي والفلسفة إلى الزواج، وكيف تعامل معه الباباوات والمجالس الكنسية المختلفة عبر التاريخ.

وبحسب الكاردينال فيكتور مانويل فرنانديز، رئيس عقيدة الفاتيكان ومؤلف الوثيقة، فإن الهدف الأساسي من هذا النص هو الاحتفاء بفضائل وفوائد الزواج الأحادي، وليس إدانة ممارسات أخرى كالزواج المتعدد أو العلاقات غير التقليدية. وشدد الكاردينال على قيمة احترام كرامة الزوجين، وخاصة المرأة، في أي علاقة زوجية.

الحفاظ على كرامة العلاقة الزوجية

وأضاف الكاردينال في تصريحاته أن الحب الحقيقي يتجلى في رؤية الشريك كإنسان كامل، وليس مجرد وسيلة لتحقيق غاية. وأوضح أن محاولة ملء الفراغ العاطفي من خلال السيطرة على الشريك تؤدي إلى علاقات غير صحية تتسم بالعنف، والقمع، والضغط النفسي، والخيانة الزوجية. هذه العلاقات، بحسب الوثيقة، تتعارض مع جوهر الزواج المسيحي الذي يقوم على الحب المتبادل والاحترام المتبادل.

تفاصيل الوثيقة ومواقف سابقة

الوثيقة الجديدة تتكون من 40 صفحة وتحتوي على 256 حاشية، وهي مكتوبة باللغة الإيطالية فقط في الوقت الحالي. يرى الكاردينال فرنانديز أن قراءة الفصل الأخير عن “المحبة الزوجية” والخاتمة كافية لاستيعاب الرسالة الأساسية للوثيقة.

وتأتي هذه الوثيقة في سياق تطورات أخرى شهدتها الكنيسة الكاثوليكية في السنوات الأخيرة. ففي عام 2023، أثار الكاردينال فرنانديز جدلاً واسعًا بإصداره بيانًا عقائديًا يسمح للكهنة الكاثوليك بتقديم البركات للأزواج من نفس الجنس، وهو ما لاقى معارضة شديدة من بعض الأساقفة، خاصة في أفريقيا.

الجدل حول كتابات الكاردينال فرنانديز

كما أثارت بعض كتابات الكاردينال فرنانديز السابقة، مثل كتابه “اشفني بفمك. فن التقبيل” وكتابه “العاطفة الغامضة: الروحانية والشهوانية”، انتقادات من المحافظين داخل الكنيسة. هذه الكتب، التي تتناول موضوعات حسية وروحانية، أثارت تساؤلات حول مدى توافقها مع التعاليم الكاثوليكية التقليدية.

مستقبل النقاش حول الزواج

توضح هذه الوثيقة موقف الكنيسة الكاثوليكية من الزواج في ظل التحديات المعاصرة. وبينما تؤكد الكنيسة على أهمية الزواج الأحادي، فإنها تسعى أيضًا إلى فهم السياقات الثقافية المختلفة التي تؤثر على نظرة الناس إلى الزواج. من المتوقع أن تستمر المناقشات حول هذا الموضوع في الكنيسة الكاثوليكية، وأن يشهد هذا النقاش تطورات جديدة في المستقبل.

الوثيقة الجديدة ليست نهاية المطاف، بل هي بداية لحوار أعمق حول معنى الزواج ودوره في بناء مجتمع سليم ومستقر. ويبقى السؤال مفتوحًا حول كيفية تحقيق التوازن بين الحفاظ على المبادئ التقليدية والاستجابة للتغيرات الاجتماعية والثقافية التي يشهدها العالم.

شاركها.