في ظلّ التطورات الأخيرة، تثير إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) جدلاً واسعاً حول مراجعة الأدوية، خاصةً تلك التي تحظى بدعم إدارة الرئيس دونالد ترامب. هذا الأمر يثير قلقاً متزايداً داخل الوكالة وخارجها، حيث يخشى البعض من أن هذه التغييرات قد تتعارض مع المعايير العلمية والأخلاقية والقانونية التي لطالما اعتمدت عليها الوكالة في تقييم سلامة وفعالية الأدوية الجديدة. يركز هذا المقال على تفاصيل برنامج القسائم الجديد، المخاوف التي أثارها، وتأثيره المحتمل على مستقبل مراجعة الأدوية في الولايات المتحدة.

برنامج القسائم الجديد: تسريع الموافقة على الأدوية

أطلق مارتي مكاري، المفوض الحالي لإدارة الغذاء والدواء، برنامجاً جديداً يهدف إلى تسريع عملية الموافقة على الأدوية التي تعتبر ذات أهمية وطنية. يُعرف هذا البرنامج باسم “برنامج قسيمة الأولوية الوطنية للمفوض”، ويعد بالموافقة على الأدوية في غضون شهر واحد فقط. هذا البرنامج يمثل تحولاً كبيراً عن الإجراءات التقليدية، التي تستغرق عادةً ما بين ستة إلى عشرة أشهر لإكمال مراجعة الأدوية بشكل كامل.

مخاوف داخل إدارة الغذاء والدواء

أثار هذا البرنامج قلقاً وارتباكاً بين موظفي إدارة الغذاء والدواء، خاصةً بعد فترة شهدت تسريح العمال وعمليات الاستحواذ وتغييرات في القيادة. وفقاً لسبعة موظفين حاليين أو سابقين تحدثوا إلى وكالة أسوشيتد برس بشرط عدم الكشف عن هويتهم، هناك أسئلة حول السلطة القانونية للمسؤولين الذين يمكنهم التوقيع على الموافقات بموجب هذا البرنامج. تقليدياً، كانت قرارات الموافقة تتخذ من قبل علماء مراجعة الأدوية والمشرفين المباشرين عليهم، وليس المعينين السياسيين أو كبار القادة في الوكالة.

تجاوز الإجراءات التنظيمية

أفاد بعض الموظفين بأنهم تلقوا تعليمات بتخطي بعض الخطوات التنظيمية لتلبية المواعيد النهائية الصارمة التي حددها كبار المسؤولين. على سبيل المثال، طُلب من الموظفين الذين يعملون على إنتاج حبوب مضادة للسمنة، التي طال انتظارها، تسريع العملية. هذا الأمر يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الأدوية تخضع لنفس مستوى التدقيق والتقييم الذي تخضع له الأدوية الأخرى.

التدخل السياسي وتأثيره على سلامة الأدوية

يشير خبراء خارجيون إلى أن مراجعات الأدوية التي تجريها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تعتبر بالفعل من الأسرع في العالم. ومع ذلك، يرى الدكتور آرون كيسيلهايم، الأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد، أن “مفهوم إجراء المراجعة خلال شهر أو شهرين ليس له سابقة علمية”. ويضيف أن إدارة الغذاء والدواء الأمريكية لا تملك الموارد اللازمة لإجراء مراجعة تفصيلية بنفس الجودة خلال هذه الفترة القصيرة.

حالات تأخير المراجعة بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة

كشفت تقارير رويترز أن مسؤولي إدارة الغذاء والدواء أخروا مراجعة عقارين في البرنامج بسبب مخاوف تتعلق بالسلامة، بما في ذلك وفاة مريض يتناول أحد الأدوية. هذا الأمر يؤكد المخاوف من أن تسريع عملية الموافقة قد يؤدي إلى تجاهل بعض المخاطر المحتملة.

التسييس والغموض في عملية الموافقة

أثار برنامج القسائم مخاوف واسعة النطاق من أن مراجعات الأدوية، التي ارتبطت منذ فترة طويلة بمعايير وإجراءات موضوعية، أصبحت مفتوحة للتدخل السياسي. وقد أثار ذلك انتقادات من خبراء سابقين في إدارة الغذاء والدواء، مثل بول كيم، الذي وصف العملية بأنها “مبهمة” و”عرضة للتسييس”.

رفض كبار المسؤولين التوقيع على الموافقات المعجلة

رفض الدكتور جورج تيدمارش، المدير السابق لإدارة الغذاء والدواء، التوقيع على الموافقات بموجب هذا المسار، مما يعكس مخاوفه بشأن شرعية البرنامج. استقال تيدمارش بعد ذلك، ورفضت الدكتورة سارة برينر، النائب الرئيسي للمفوض، أيضاً تولي هذا الدور بعد النظر في الآثار القانونية.

مستقبل مراجعة الأدوية والالتزام بالمعايير العلمية

منح الموافقة النهائية على الدواء ينطوي على مخاطر قانونية كبيرة، حيث يتم التصديق على أن الدواء يلبي معايير إدارة الغذاء والدواء فيما يتعلق بالسلامة والفعالية. إذا ظهرت مشاكل غير متوقعة تتعلق بالسلامة في وقت لاحق، فقد تواجه الوكالة والموظفين الأفراد تحقيقات أو دعاوى قضائية.

أهمية الالتزام بالإجراءات التنظيمية

يؤكد المراجعون السابقون والخبراء الخارجيون على أهمية الالتزام بالإجراءات التنظيمية لضمان سلامة وفعالية الأدوية. تخطي خطوات المراجعة قد يؤدي إلى مخاطر على صانعي الأدوية إذا قرر قادة إدارة الغذاء والدواء المستقبليون أن الدواء لم يتم فحصه بشكل صحيح.

في الختام، يمثل برنامج القسائم الجديد تحولاً كبيراً في طريقة مراجعة الأدوية في الولايات المتحدة. على الرغم من أن الهدف المعلن هو تسريع عملية الموافقة على الأدوية الهامة، إلا أن البرنامج أثار قلقاً واسعاً النطاق بشأن التدخل السياسي، والتأثير المحتمل على سلامة الأدوية، والالتزام بالمعايير العلمية والأخلاقية. من الضروري إجراء تقييم شامل للبرنامج لضمان أنه يحقق أهدافه دون المساس بصحة وسلامة المرضى. يجب على إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن تظل ملتزمة بالشفافية والمساءلة في جميع عملياتها، وأن تضع سلامة المرضى في المقام الأول.

شاركها.