الولايات المتحدة تنسحب من منظمة الصحة العالمية: تداعيات عالمية وتحديات مستقبلية

نيويورك (أ ف ب) – أعلنت الولايات المتحدة رسميًا انتهاء انسحابها من منظمة الصحة العالمية، بعد عام واحد من قرار الرئيس السابق دونالد ترامب بإنهاء التزام دام 78 عامًا. هذا القرار، وإن اتخذ بعد استيفاء الإجراءات الرسمية، يترك وراءه تساؤلات حول التكاليف المالية وتأثيره على الاستجابة العالمية للأزمات الصحية.

ما وراء الانسحاب: التكاليف المالية والتحديات الفنية

لا يمثل انسحاب الولايات المتحدة مجرد إنهاء رسمي للعضوية، بل يرافقه ديون مستحقة لمنظمة الصحة العالمية، تقدر بنحو 280 مليون دولار. ورغم أن المسؤولين في إدارة ترامب أقروا بعدم الانتهاء من حل بعض المشكلات، مثل ضمان الوصول إلى بيانات الدول الأخرى التي قد تنذر بحدوث جائحات جديدة، فإن التداعيات الاقتصادية تظل محور نقاش.

وفقًا لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، كانت الولايات المتحدة من بين أكبر الداعمين الماليين للمنظمة، حيث ساهمت بمئات الملايين من الدولارات سنويًا، بالإضافة إلى 570 مليون دولار كمساهمات طوعية. هذه الخسارة المالية، إلى جانب فقدان خبرات واسعة لموظفي الصحة العامة الأمريكيين، قد تؤثر على قدرة منظمة الصحة العالمية على أداء مهامها الحيوية.

دوافع الانسحاب: انتقادات لأداء المنظمة

استند قرار الانسحاب، الذي اتخذ في ظل جائحة كوفيد-19، إلى انتقادات موجهة لأداء منظمة الصحة العالمية. من أبرز هذه الانتقادات، بحسب إدارة ترامب، سوء الإدارة لجائحة كوفيد-19 والأزمات الصحية العالمية الأخرى، وعدم الاستجابة للإصلاحات المطلوبة، والافتقار إلى الاستقلال عن التأثير السياسي للدول الأعضاء.

وُجهت للمنظمة انتقادات بارزة، بما في ذلك توصيات أولية بعدم ارتداء الأقنعة، والتأكيد لاحقًا على أن كوفيد-19 لا ينتقل عبر الهواء. كما أشارت إدارة ترامب إلى غياب مشاركة أمريكية في المناصب القيادية للمنظمة منذ إنشائها عام 1948، معتبرة ذلك غير عادل نظرًا لاعتماد المنظمة على التمويل والموظفين الأمريكيين.

التأثير على الاستجابة العالمية: تحذيرات الخبراء

يُحذر خبراء الصحة العامة من أن انسحاب الولايات المتحدة يمكن أن يضعف بشكل كبير القدرة على الاستجابة للتهديدات الصحية العالمية. ووفقًا للدكتور رونالد نحاس، رئيس جمعية الأمراض المعدية الأمريكية، فإن هذا الانسحاب يُعد “قصير النظر، ومضللًا، وتهورًا علميًا”.

وقد أثرت الولايات المتحدة بالفعل على مشاركتها الرسمية في العديد من اللجان والهيئات القيادية ومجموعات العمل الفنية التابعة لمنظمة الصحة العالمية. ومن بين هذه المجموعات، تلك المسؤولة عن تقييم سلالات الإنفلونزا وتحديث اللقاحات. هذا يعني أن الولايات المتحدة قد تفقد دورها الحيوي في تبادل المعلومات العالمية حول الإنفلونزا، والتي توجه قرارات تطوير اللقاحات.

بدائل مقترحة وتحديات مستقبلية

تؤكد إدارة ترامب أنها تعمل على بناء علاقات صحية مباشرة مع العديد من الدول لضمان مشاركة المعلومات الصحية، بدلاً من الاعتماد على منظمة الصحة العالمية كوسيط. ومع ذلك، لم يتم تقديم تفاصيل كافية حول عدد هذه الترتيبات أو الدول المعنية.

يشكك الخبراء في مدى جدوى هذه البدائل، خاصة مع الدول الكبرى التي قد لا ترغب في مشاركة بياناتها بشكل مباشر، أو الدول التي فرضت عليها الولايات المتحدة رسومًا جمركية. كما يرى خبراء أن الكونغرس الأمريكي هو الجهة المخولة قانونيًا لاتخاذ قرار الانسحاب، وليس الرئيس وحده.

منظمة الصحة العالمية: دور محوري في الصحة العالمية

تُعد منظمة الصحة العالمية وكالة صحية متخصصة تابعة للأمم المتحدة، وتضطلع بدور محوري في تنسيق الاستجابة للتهديدات الصحية العالمية، مثل تفشي الأمراض مثل “مبوكس” (جدري القرود سابقًا)، والإيبولا، وشلل الأطفال. كما تقدم المساعدة الفنية للبلدان الفقيرة، وتساعد في توزيع اللقاحات والإمدادات والعلاجات النادرة، وتضع المبادئ التوجيهية للعديد من القضايا الصحية، من الصحة العقلية إلى السرطان.

الخلاصة: مسؤولية مشتركة وتحديات مستمرة

يمثل انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية خطوة كبيرة تحمل في طياتها تداعيات وخيمة على الصحة العالمية. على الرغم من وجود دوافع وراء هذا القرار، فإن العزلة التي قد تفرضها على الولايات المتحدة في مواجهة الأزمات الصحية العالمية تثير قلقًا بالغًا. إن التعاون الدولي وتبادل المعلومات هما أساس بناء استجابة فعالة للأوبئة والأمراض. يجب على القيادات العالمية إدراك هذه المسؤولية المشتركة والعمل على تعزيز دور المنظمات الدولية، وليس تقويضه، لضمان مستقبل صحي للجميع.

شاركها.