قررت الولايات المتحدة اتخاذ خطوة جريئة ومثيرة للجدل في مجال صحة الأطفال، ألا وهي تخفيض عدد اللقاحات الموصى بها. هذا التغيير، الذي أُعلن يوم الاثنين، يقلل من قائمة التطعيمات الروتينية للأطفال، مما أثار ردود فعل قوية من الخبراء الطبيين والمجموعات الصحية. يهدف هذا التحول إلى إعادة تقييم ضرورة بعض اللقاحات وتوحيد التوصيات مع ممارسات دول أخرى، ولكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف بشأن زيادة خطر الإصابة بأمراض يمكن الوقاية منها.

تفاصيل قرار تخفيض اللقاحات

أعلنت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) أنها ستوصي الآن بتطعيم جميع الأطفال ضد 11 مرضًا فقط، بدلاً من 16 مرضًا كانت موصى بها سابقًا. اللقاحات التي تم إزالتها من قائمة التوصيات الروتينية تشمل لقاحات الحماية ضد الإنفلونزا، والتهاب الكبد أ، والتهاب الكبد ب، وبعض أنواع التهاب السحايا، بالإضافة إلى الفيروس المخلوي التنفسي (RSV). بدلاً من ذلك، ستقتصر الحماية ضد هذه الأمراض على المجموعات المعرَّضة لخطر كبير أو وفقًا لتقدير الأطباء في حالات “اتخاذ القرار المشترك”.

أشار المسؤولون في إدارة ترامب إلى أن هذا الإصلاح كان هدفًا رئيسيًا لوزير الصحة والخدمات الإنسانية، روبرت ف. كينيدي جونيور، حيث أكدوا أنه لن يمنع العائلات الراغبة في الحصول على هذه اللقاحات من ذلك، وأن شركات التأمين ستستمر في تغطية تكاليفها. ومع ذلك، يرى الخبراء الطبيون أن هذا القرار سيؤدي إلى ارتباك لدى الأهل وقد يؤدي إلى انخفاض معدلات التطعيم بشكل عام.

ردود الفعل وانتقادات القرار

أثار قرار تخفيض عدد اللقاحات موجة من الانتقادات من قبل الأطباء وخبراء الصحة العامة. يعربون عن قلقهم من أن هذا التغيير قد يقوض الجهود المبذولة للوقاية من الأمراض المعدية، خاصة في ظل ارتفاع معدلات التطعيم الموثقة ومعدلات الإعفاءات التي وصلت إلى مستويات قياسية. ويقولون إن تخفيف الحماية ضد أمراض مثل الإنفلونزا والتهاب الكبد قد يؤدي إلى زيادة حالات الدخول إلى المستشفيات والوفيات بين الأطفال.

الدكتور شون أوليري، من الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال، صرح بأن هذا القرار تم اتخاذه دون تقديم أي دليل علمي قوي يدعم تبريره، ودون إجراء التشاور الكافي مع الخبراء. وأضاف أن الدول الأخرى تدرس بعناية توصيات اللقاح بناءً على الظروف الصحية الخاصة بسكانها، ولا يمكن ببساطة نسخ التوصيات من مكان إلى آخر. هذا وقد أصدرت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال جدول تطعيمات خاص بها، والذي يستمر في التوصية بالتطعيمات التي تم تخفيض رتبتها من قبل إدارة ترامب.

السياق وراء القرار: مقارنة دولية

برر المسؤولون قرارهم بالإشارة إلى أن الولايات المتحدة كانت “متطرفة” في عدد اللقاحات الموصى بها مقارنة بـ 20 دولة أخرى مماثلة. وذكروا أن الهدف من التغيير هو زيادة ثقة الجمهور في اللقاحات من خلال التركيز على التطعيمات الأكثر أهمية.

لكن الخبراء يؤكدون أن المقارنة مع الدول الأخرى يجب أن تتم بحذر، وأن كل دولة تحدد جدول التطعيمات الخاص بها بناءً على مجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك انتشار الأمراض، والموارد المتاحة، والاعتبارات السكانية. ففي الواقع، توصي معظم الدول ذات الدخل المرتفع بتطعيم الأطفال ضد 10 إلى 15 مرضًا، وهي نسبة أعلى من العدد الذي ستوصي به الولايات المتحدة بعد هذا التغيير. وقد لفت مشروع سلامة اللقاحات الانتباه إلى أن فرنسا، على سبيل المثال، توصي بتطعيم الأطفال ضد 14 مرضًا، بينما ستقتصر الولايات المتحدة على 11 مرضًا.

دور وزير الصحة والتشكيك في اللقاحات

هذا القرار يأتي في سياق حقيقة أن وزير الصحة والخدمات الإنسانية، روبرت ف. كينيدي جونيور، معروف بتشكيكه في اللقاحات. وقد استخدم منصبه الحكومي مرارًا وتكرارًا للترويج لوجهات نظره هذه وتوجيه السياسات الوطنية بناءً عليها.

في شهر مايو الماضي، أعلن كينيدي أن مركز السيطرة على الأمراض لن يوصي بعد الآن بلقاحات كوفيد-19 للأطفال الأصحاء والنساء الحوامل، وهو قرار أثار جدلاً واسعاً وشكوكًا من قبل خبراء الصحة العامة. كما قام بمعالجة اللجنة الاستشارية للقاحات التابعة لمراكز السيطرة على الأمراض وتعيين بدلاء معروفين بتشكيكهم في اللقاحات.

تأثير القرار على الصحة العامة

لا تزال العواقب طويلة الأمد لهذا القرار غير واضحة. ومع ذلك، يخشى الكثيرون من أنه سيؤدي إلى انخفاض معدلات التطعيم وارتفاع معدلات الإصابة بأمراض يمكن الوقاية منها. بالنظر إلى الانتهاء التدريجي من اللقاحات وزيادة الإعفاءات في السنوات الأخيرة، فإن هذا التغيير قد يزيد من تفاقم الوضع.، و يرى المسؤولون في وزارة الصحة و الخدمة الإنسانية أن هذا القرار كان بمثابة جهدًا للتعاون بين الوكالات الفيدرالية، إلا أنهم لم يكشفوا عن الجهات التي جرى استشارتها.

هذه القضية تؤكد على أهمية استمرار الأبحاث العلمية حول اللقاحات، وتوفير معلومات دقيقة وموثوقة للجمهور، واتخاذ قرارات تستند إلى الأدلة بدلاً من الاعتبارات السياسية لضمان حماية صحة الأطفال. من الضروري أن يكون هناك نقاش عام شفاف ومستنير حول فوائد ومخاطر اللقاحات، وأن يتم احترام خيارات الأهل المستنيرة. اللقاحات تلعب دورًا حيويًا في الوقاية من الأمراض وتحسين الصحة العامة، ولا ينبغي التضحية بهذه الفوائد دون مبرر علمي قوي. و في هذا الصدد، قد يكون من المفيد البحث عن معلومات إضافية حول فعالية اللقاحات و مخاطر الأمراض المعدية لتكوين رؤية شاملة حول هذه القضية الهامة.

شاركها.