تراجع الرعاية المبكرة للحمل: مؤشر ينذر بالخطر على صحة الأم والطفل
تُعد الرعاية المبكرة قبل الولادة حجر الزاوية لضمان حمل صحي وولادة آمنة. ومع ذلك، يكشف تقرير فيدرالي حديث عن اتجاه مقلق يتمثل في انخفاض نسبة النساء اللاتي يبدأن هذه الرعاية في وقت مبكر، مما يهدد صحة الأمهات والأطفال ويزيد من المخاطر المرتبطة بالحمل.
انخفاض ملحوظ في بدء رعاية ما قبل الولادة المبكرة
أظهرت البيانات الصادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) انخفاضًا في نسبة الولادات في الولايات المتحدة للنساء اللاتي بدأن تقديم الرعاية المبكرة قبل الولادة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 78.3% في عام 2021 إلى 75.5% في عام 2024. هذا التراجع، وإن بدا بسيطًا، يحمل في طياته تداعيات كبيرة على الصحة العامة.
في المقابل، تشهد بداية الرعاية في مراحل متأخرة من الحمل أو عدم تلقيها على الإطلاق ازديادًا. ارتفعت نسبة رعاية ما قبل الولادة التي تبدأ في الثلث الثاني من الحمل من 15.4% إلى 17.3%، بينما زادت نسبة بدء الرعاية في الثلث الثالث أو عدم الحصول على أي رعاية من 6.3% إلى 7.3%.
أهمية الرعاية المبكرة للنتائج الصحية
يؤكد الخبراء على أن المشاركة المبكرة في الرعاية المبكرة قبل الولادة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحسين النتائج الصحية للأم والجنين. عندما يتم تأخير الرعاية الطبية أثناء الحمل، كما يوضح الدكتور كلايتون ألفونسو، طبيب أمراض النساء والتوليد بجامعة ديوك، فإن ذلك يمثل “ضياعًا لفرصة ثمينة لتحسين رعاية الجنين والأم”.
تتيح الزيارات المبكرة للطبيب فرصة اكتشاف المشكلات الصحية المحتملة مبكرًا، بما في ذلك ارتفاع ضغط الدم، والسكري، وغيرها من الحالات التي قد تؤثر على سلامة الحمل. كما توفر هذه الزيارات منصة لمشاركة الإرشادات الصحية الضرورية، وإجراء الفحوصات اللازمة مثل تحاليل الدم، والفحوصات البدنية، والتصوير بالموجات فوق الصوتية.
تفاقم الفجوات العرقية والإثنية
لا يقتصر هذا الاتجاه المقلق على عامة السكان، بل يظهر تفاقمًا ملحوظًا بين مجموعات الأقليات. كان الانخفاض في الرعاية المبكرة قبل الولادة أعلى بالنسبة للأمهات في هذه الفئات. على سبيل المثال، انخفضت نسبة الرعاية في الثلث الأول للأمهات السود من 69.7% في عام 2021 إلى 65.1% في عام 2024.
ويُعد هذا الأمر مدعاة للقلق الشديد، خاصة وأن الحصول على رعاية ما قبل الولادة في وقت متأخر أو عدم الحصول عليها يزيد من خطر وفيات الأمهات، وهي نسبة أعلى بكثير بين الأمهات السود.
تحول في اتجاهات رعاية الأمومة
تشير ميشيل أوسترمان، المؤلفة الرئيسية للتقرير، إلى أن النتائج الإجمالية تمثل تحولًا جذريًا. فبين عامي 2016 و2021، شهدت الولايات المتحدة تحسنًا في توقيت بدء النساء لرعاية ما قبل الولادة. هذا التحسن السابق يجعل الانخفاض الحالي أكثر إثارة للقلق.
العوامل المساهمة وراء تأخر الرعاية
لا يقدم التقرير أسبابًا واضحة ومباشرة وراء هذا التراجع في بدء الرعاية المبكرة قبل الولادة. ومع ذلك، يشير الأطباء إلى عدد من العوامل المحتملة التي قد تلعب دورًا.
صحارى رعاية الأمومة وتأثيرها
يعتبر انتشار “صحارى رعاية الأمومة” (maternity care deserts) في جميع أنحاء البلاد مصدر قلق متزايد. هذه المناطق، التي تفتقر إلى مرافق الولادة أو مقدمي خدمات التوليد، تجعل من الصعب على النساء، خاصة في المناطق الريفية، الحصول على الرعاية اللازمة.
وُجد أن أكثر من 35% من المقاطعات الأمريكية تُعتبر صحارى لرعاية الأمومة، وتلقى النساء اللاتي يعشن في هذه المناطق رعاية أقل قبل الولادة. قد يؤدي هذا النقص في الخدمات إلى إغلاق وحدات المخاض والولادة، وبالتالي انتقال مقدمي الرعاية السابقين للولادة إلى أماكن أخرى.
قيود الإجهاض وتأثيرها على مقدمي الرعاية
تُشير الدكتورة جريس فيرجسون، طبيبة أمراض النساء والتوليد في بيتسبرغ، إلى أن القيود المفروضة على الإجهاض بعد قضية “رو ضد وايد” قد تلعب دورًا. قد يختار بعض أطباء التوليد عدم الممارسة في الولايات التي تطبق قوانين أكثر تقييدًا، مما يقلل من عدد مقدمي الرعاية المتاحة.
تحديات الوصول إلى الرعاية
يشتبه الدكتور ألفونسو في أن مشكلات الوصول للمرضى هي سبب رئيسي لتأخر الرعاية السابقة للولادة، خاصة في المناطق الريفية. قد يضطر المرضى للسفر لمسافات أطول، ويواجهون صعوبة في العثور على عيادات تقبل تأمينهم، لا سيما إذا كانوا يعتمدون على برنامج Medicaid.
نظرة مستقبلية مقلقة
يخشى الأطباء أن تتفاقم الأمور إذا استمر هذا الاتجاه. “إذا استمر هذا الاتجاه، فإنني أشعر بالقلق بشأن ما قد يعنيه ذلك بالنسبة إلى معدلات الإصابة بالأمراض والوفيات بالنسبة لأمهاتنا”، يقول الدكتور ألفونسو. يتطلب هذا الوضع جهودًا حثيثة لضمان عودة منحنى الرعاية المبكرة قبل الولادة إلى الارتفاع، لضمان صحة أفضل للأمهات والأطفال في المستقبل.
إن معالجة هذه التحديات تتطلب تضافر الجهود على المستوى الحكومي والمجتمعي لضمان وصول جميع النساء الحوامل إلى الرعاية الصحية التي يحتجنها في الوقت المناسب.
