في تطور يثير قلقًا بالغًا بشأن حرية الصحافة في الولايات المتحدة، داهمت السلطات منزل هانا ناتانسون، الصحفية البارزة في صحيفة واشنطن بوست، والتي اشتهرت بتغطيتها للإدارة الفيدرالية. هذه المداهمة، التي استهدفت صحفية معروفة بتقاريرها الاستقصائية حول تغييرات القوى العاملة الفيدرالية في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، تثير تساؤلات جوهرية حول التوازن بين الأمن القومي وحماية حرية الصحافة، وتحديدًا حق الصحفيين في حماية مصادرهم.

مداهمة منزل صحفية واشنطن بوست: تصعيد مقلق

في يوم الأربعاء، نفذت السلطات تفتيشًا لمنزل ناتانسون في ولاية فيرجينيا، حيث تم الاستيلاء على هاتفها المحمول، وجهازي كمبيوتر محمول، وساعة ذكية من طراز جارمين. وفقًا لمذكرة المداهمة، فإن التفتيش مرتبط بتحقيق جارٍ مع مقاول حكومي متهم بالاحتفاظ بشكل غير قانوني بمواد حكومية سرية. ومع ذلك، أكدت السلطات للصحيفة أن ناتانسون نفسها والصحيفة لم يكونا هدفًا للتحقيق.

هذا التأكيد لم يهدئ المخاوف المتزايدة. مات موراي، المحرر التنفيذي لصحيفة واشنطن بوست، وصف الإجراء بأنه “عدواني بشكل استثنائي” وأعرب عن قلقه العميق بشأن الحماية الدستورية لعمل الصحفيين. وأضاف موراي في رسالة إلى موظفيه أن أفضل رد فعل على مثل هذه المحاولات لترهيب الصحافة هو “عدم السماح بالترهيب”، وهو ما أكدوا عليه من خلال مواصلة عملهم.

حرية الصحافة تحت المجهر: تداعيات المداهمة

تعتبر هذه المداهمة غير مسبوقة في العصر الحديث، حيث يجد القائمون على حرية الصحافة صعوبة في تذكر آخر مرة تم فيها تفتيش منزل صحفي بهذه الطريقة. جميل جعفر، المدير التنفيذي لمعهد Knight First Amendment Institute في جامعة كولومبيا، يرى أن هذا الإجراء يهدف إلى ردع ناتانسون، وكذلك الصحفيين الآخرين، عن متابعة القصص التي تعتمد على معلومات من مصادر داخل الحكومة. كما أنه يهدف إلى ترهيب المصادر المحتملة، مما يجعل من الصعب على الصحفيين الحصول على معلومات حيوية حول الإجراءات الحكومية.

الصحفية هانا ناتانسون، المعروفة بـ “الهمس للحكومة الفيدرالية” بسبب قدرتها على الحصول على معلومات من داخل الإدارة، كانت قد نشرت في ديسمبر الماضي مقالًا كشفت فيه عن زيادة كبيرة في عدد الرسائل التي تلقتها من موظفين حكوميين بعد نشرها معلومات الاتصال الخاصة بها في فبراير الماضي. وقالت إنها تلقت 1169 رسالة عبر تطبيق Signal، مما ساعدها في الكشف عن العديد من القضايا الهامة المتعلقة بتغييرات إدارة ترامب في القوى العاملة الفيدرالية.

ردود الفعل الرسمية والقانونية

أثارت المداهمة موجة من الانتقادات من منظمات الدفاع عن حرية الصحافة. لجنة الصحفيين من أجل حرية الصحافة (CPJ) طالبت المحكمة الجزئية الأمريكية في فيرجينيا بالكشف عن الإفادة الخطية التي تبرر تفتيش منزل ناتانسون.

في الوقت نفسه، دافع المدعي العام بام بوندي عن الإجراء، مشيرًا إلى أنه تم بناءً على طلب من وزارة الدفاع، وأن ناتانسون كانت “تحصل على معلومات سرية ومتسربة بشكل غير قانوني من أحد مقاولي البنتاغون”. لكن لجنة المراسلين استنكرت هذا التصريح، مشيرة إلى أنه إذا كان المدعي العام قادرًا على تبرير المداهمة علنًا، فمن غير المبرر إخفاء التفاصيل عن المحكمة.

سياق أوسع: استهداف الصحافة في عهد ترامب

لم تكن هذه المداهمة حادثة معزولة، بل جاءت في سياق سلسلة من الإجراءات المتخذة ضد وسائل الإعلام خلال فترة ولاية الرئيس ترامب. شملت هذه الإجراءات رفع دعاوى قضائية ضد صحيفة نيويورك تايمز وشبكة بي بي سي، وتقييد وصول الصحفيين إلى محطات البنتاغون، وتقليص التمويل المخصص للبث العام.

هذه الإجراءات، بالإضافة إلى التصريحات العدائية المتكررة من الرئيس ترامب تجاه وسائل الإعلام، خلقت مناخًا من عدم الثقة والعداء تجاه الصحافة. العديد من وسائل الإعلام اضطرت إلى تعديل سياساتها لتكون أكثر توافقًا مع الإدارة، خوفًا من التعرض لمزيد من الضغوط.

التحديات القانونية والجدل حول قانون عام 1917

يثير هذا الحادث أيضًا تساؤلات حول قانون عام 1917، الذي يجعل من غير القانوني للصحفيين حيازة معلومات سرية. على الرغم من أن هذا القانون لا يزال ساري المفعول، إلا أن دستوريته محل جدل، حيث يرى البعض أنه يتعارض مع التعديل الأول للدستور الأمريكي، الذي يحمي حرية الصحافة.

لم يتم تطبيق هذا القانون بشكل صارم في الماضي، حتى في حالات نشر معلومات حكومية سرية، مثل تقرير صحيفة نيويورك تايمز حول تورط الولايات المتحدة في حرب فيتنام عام 1971. ومع ذلك، فإن الإدارة الحالية تبدو أكثر استعدادًا لاستخدام هذا القانون لتقييد عمل الصحفيين.

الخلاصة: حماية حرية الصحافة ضرورة ديمقراطية

إن مداهمة منزل هانا ناتانسون تمثل تهديدًا خطيرًا لحرية الصحافة في الولايات المتحدة. هذا الإجراء، بالإضافة إلى الإجراءات الأخرى المتخذة ضد وسائل الإعلام في السنوات الأخيرة، يرسل رسالة مقلقة مفادها أن الحكومة قد تكون مستعدة إلى استخدام أساليب قمعية لتقييد عمل الصحفيين وحماية أسرارها.

من الضروري أن يتم الدفاع عن حرية الصحافة وحمايتها، لأنها ركيزة أساسية للديمقراطية. يجب على الحكومة أن تحترم حق الصحفيين في جمع ونشر المعلومات، وأن تتجنب أي إجراءات قد تثبط عزيمتهم أو ترهبهم. يجب على الصحفيين أيضًا أن يواصلوا عملهم بشجاعة ونزاهة، وأن يدافعوا عن حقهم في مساءلة الحكومة. هذه القضية، المتعلقة بـ المداهمة، تتطلب نقاشًا عامًا واسعًا لضمان عدم تكرار مثل هذه الإجراءات في المستقبل. التحقيق في هذه المداهمة يجب أن يكون شفافًا ومستقلاً. كما أن حماية الصحافة من التدخل الحكومي أمر بالغ الأهمية للحفاظ على مجتمع ديمقراطي.

شاركها.