بيروت، عاصمة لبنان، لطالما كانت مركزًا للحياة الليلية الصاخبة في الشرق الأوسط. لكن في ليلة سبت الأخيرة، شهد ملهى ليلي شهير في قلب المدينة حدثًا غير مسبوق: كاهن كاثوليكي برتغالي، يُعرف باسم “بادري جيلهيرم”، صعد إلى المسرح ليس ليلقي موعظة، بل ليعزف الموسيقى الإلكترونية أمام حشد من الرواد. هذه القصة الفريدة، التي تجمع بين الروحانية والحياة العصرية، أثارت جدلاً واسعًا وأصبحت حديث الساعة، وتُعد مثالًا حيًا على كيف يمكن للثقافة أن تتجاوز الحدود التقليدية. هذا المقال سيتناول ظاهرة بادري جيلهيرم وتأثيرها في لبنان وخارجه.
من القداس إلى الدي جي: رحلة بادري جيلهيرم غير التقليدية
جيلهيرم بيكسوتو، أو بادري جيلهيرم كما يحلو لجمهوره تسميته، هو كاهن من شمال البرتغال. يمارس مهامه الدينية كعادة، ولكنه يجد في عالم الموسيقى الإلكترونية وسيلة أخرى للتعبير عن إيمانه والتواصل مع الشباب. بالنسبة له، عزف الدي جي ليس مجرد هواية، بل هو شكل من أشكال التبشير الحديث.
“المزمور يطلب منا أن نسبح الرب بكل الآلات، والآن لدينا هذه الآلة الجديدة التي جاءت وهي الموسيقى الإلكترونية”، هكذا يوضح بادري جيلهيرم فلسفته. بدأ هذا الكاهن البالغ من العمر 52 عامًا في تقديم عروضه كطريقة لجمع التبرعات للكنائس المحلية، ولكن سرعان ما تحولت إلى ظاهرة عالمية. فقد اكتسب شعبية كبيرة بعد مشاركته في فعاليات يوم الشباب العالمي في عام 2023، ومن المقرر أن يشارك أيضًا في فعاليات مماثلة في عام 2025. اليوم، يتابعه أكثر من 2.6 مليون شخص على Instagram، مما يعكس مدى تأثيره الواسع.
لبنان: محطة طبيعية في رحلة بادري جيلهيرم
لم يكن اختيار لبنان كمحطة في جولته العالمية محض صدفة. فلبنان يضم نسبة كبيرة من المسيحيين، حيث يشكلون حوالي ثلث السكان البالغ عددهم خمسة ملايين نسمة، مما يجعلها الدولة ذات أعلى نسبة من المسيحيين في منطقة الشرق الأوسط. الموارنة الكاثوليك هم أكبر طائفة مسيحية في لبنان، وقد استقبلوا زيارة البابا ليو الرابع عشر في نوفمبر الماضي بحفاوة بالغة.
لذلك، كان من المنطقي أن يجد بادري جيلهيرم صدى لرسالته في هذا البلد. ولكن، لم تخلُ زيارته من بعض الجدل. فقد تقدم ثمانية عشر شخصًا، من بينهم مسؤولون دينيون مسيحيون، بطلب إلى السلطات القضائية لإلغاء عرضه، معتبرين أنه “إهانة للدين”. ومع ذلك، رفض القاضي الالتماس، مع التأكيد على أن المكان سيخضع لإجراءات أمنية مشددة ولن يتم عرض أي رموز دينية لتجنب أي إساءة.
ردود الفعل المتباينة على أداء بادري جيلهيرم
تباينت ردود الفعل على أداء بادري جيلهيرم في لبنان بشكل كبير. فقد عبر البعض عن استيائهم الشديد، معتبرين أن تحويل الإيمان إلى عرض ترفيهي هو أمر غير مقبول. وقال أحد مستخدمي X اللبنانيين: “لا يمكننا أن نقبل تحويل الإيمان إلى عرض ترفيهي يقدم على طاولة الخمر”. وأضاف: “لا أعتقد أن الله أراد أن تكون رسالته… مجرد عرض موسيقي به مشاهد الخمر والدخان.”
في المقابل، أشاد آخرون بالكاهن لجهوده في إيجاد طرق حديثة لتقريب الشباب من الدين. وقال مستخدم آخر لـ X: “الأشخاص الذين يهاجمونه لا يفهمون مدى قوة عمله والحاجة إليه”. هذا التباين في الآراء يعكس الانقسامات المجتمعية والثقافية الموجودة في لبنان.
رسالة سلام وتعايش من حلبة الرقص
في ليلة السبت، صعد بادري جيلهيرم إلى المسرح في ملهى AHM الليلي وسط هتافات وتصفيق حار من الحضور. بينما كان يعزف الموسيقى ويتمايل على إيقاعها، عُرضت صور البابا فرانسيس والبابا يوحنا بولس الثاني والحمام الأبيض على الشاشات العملاقة خلفه. كما قام الدي جي بتشغيل أغنية خاصة بلبنان ولوح بالعلم اللبناني أمام الجمهور المتحمس.
على الرغم من الاتفاق مع المنظمين بعدم ارتداء الرداء الكهنوتي، إلا أن رسالة بادري جيلهيرم كانت واضحة: “انظر إلى حلبة الرقص، ترى الاحترام، ترى شيئًا جميلًا دائمًا… إذا كان هذا ممكنًا للأشخاص ذوي الأعراق المختلفة والملابس المختلفة أن يرقصوا معًا، فلماذا لا نستطيع أن نعيش هكذا في العالم؟”. هذه الرسالة، التي تدعو إلى السلام والتعايش، لاقت صدى كبيرًا في بلد يواجه تحديات وصراعات متعددة، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي. التبشير الحديث الذي يقدمه بادري جيلهيرم يمثل محاولة جريئة للتواصل مع جيل الشباب بلغتهم الخاصة، وتقديم رسالة إيجابية في عالم مليء باليأس.
الخلاصة: بادري جيلهيرم وتحدي التواصل مع الشباب
زيارة بادري جيلهيرم إلى لبنان كانت بمثابة تجربة فريدة ومثيرة للجدل. لقد أظهر لنا كيف يمكن للثقافة أن تتجاوز الحدود التقليدية، وكيف يمكن للدين أن يتكيف مع العصر الحديث. سواء اتفقنا مع أسلوبه أم لا، لا يمكن إنكار أن بادري جيلهيرم قد نجح في إثارة النقاش حول كيفية التواصل مع الشباب، وكيفية تقديم رسالة إيجابية في عالم مضطرب. يبقى السؤال: هل هذا النموذج من التبشير الحديث يمكن أن ينجح في أماكن أخرى؟ وهل يمكن أن يساهم في تعزيز السلام والتفاهم بين الثقافات المختلفة؟ هذه أسئلة تحتاج إلى مزيد من البحث والتأمل.
