“ظل أبي”: رحلة أخوين في ذاكرة الأب ونضال نيجيريا
عندما كان المخرج البريطاني النيجيري أكينولا ديفيز وشقيقه ويل طفلين صغيرين، توفي والدهما، ولم يترك لهما سوى ذكريات باهتة. لكن فكرة سينمائية ولدت لدى ويل: ماذا لو أتيحت لهما فرصة قضاء يوم واحد مع والدهما؟ من رحم هذه الأمنية، وُلد فيلم “ظل أبي”، وهو تحفة فنية مؤثرة تجمع بين رحلة اكتشاف الذات، وعبء فقدان الأب، وروح نيجيريا النابضة بالحياة.
من حلم شخصي إلى إنجاز عالمي
“ظل أبي” ليس مجرد فيلم، بل هو تتويج لعقد من التساؤلات والشوق لدى الأخوين ديفيز. بدأت الرحلة في عام 2012 عندما أرسل ويل، الذي لم يسبق له كتابة سيناريو، مسودته الأولى لأكينولا. استقبل أكينولا، الذي لم يقرأ سيناريو قط، الرسالة بـ “رد فعل عاطفي حقيقي”، حيث قال في مقابلة: “لقد بكيت بالفعل عندما قرأتها لأنني لم أتخيل قط فكرة قضاء يوم مع والدي وماذا سنقول له وكيف سيكون شكله”.
تدور أحداث الفيلم على مدار يوم واحد في لاغوس عام 1993، وهي فترة حاسمة في تاريخ نيجيريا حيث كانت الديمقراطية على المحك. يعود الأخوان الصغيران إلى المنزل ليجدا والدهما، فولارين (يلعبه الممثل Ọpẹ́ Dìrísù)، الذي نادرًا ما يرونه بسبب عمله في لاغوس. يأخذهما في رحلة ملهمة بالمدينة، في الوقت الذي تعيش فيه نيجيريا فترة اضطرابات سياسية بعد انقلاب عسكري أطاح بنتائج الانتخابات الديمقراطية.
يوم في حياة لاغوس 1993
في الفيلم، تتجسد لاغوس عام 1993 بكل تفاصيلها الحيوية، مع تصوير يعكس “الشعور الحقيقي بالرومانسية” لدى المخرج تجاه المدينة. يقول ديفيز: “قم بتوجيه الكاميرا نحو أي شيء في لاغوس، وستجد أنه سينمائي للغاية”. على الرغم من أن الكثيرين يرونها “فوضوية”، إلا أنه يراها “ساكنة للغاية”، مشيرًا إلى أن مجرد القيادة في السيارة يبدو له “سينمائيًا حقًا”.
“ظل أبي” وصناعة التاريخ في مهرجان كان
شكل ظهور “ظل أبي” في مهرجان كان السينمائي في مايو الماضي علامة فارقة، حيث أصبح أول فيلم نيجيري يصل إلى الاختيار الرسمي للمهرجان. هذا الإنجاز الكبير يحتفل بدوره بصناعة السينما النيجيرية المزدهرة، المعروفة بـ “نوليوود”، ويؤكد على وجود المواهب والقصص الفريدة في البلاد.
قال ديفيز: “هذا يعني الكثير للناس في نيجيريا. ويعني أنه يمكننا التواجد على هذه المنصات وقصصنا يمكن أن توجد في هذه الأماكن”. “إنها شهادة على المواهب الموجودة في نيجيريا. إنها شهادة على القصص الموجودة هناك. إنها شهادة على الصناعة المزدهرة.”
تأثير “ظل أبي” على الشاشات العالمية
حظي الفيلم، وهو إنتاج بريطاني-نيجيري، بتقدير عالمي، حيث اختارته المملكة المتحدة لتمثيلها في سباق جوائز الأوسكار. كما حصل على 12 ترشيحًا لجوائز الأفلام المستقلة البريطانية، ورشح ديفيز لجائزة أفضل ظهور بريطاني أول مرة من قبل BAFTA. بالإضافة إلى ذلك، فاز ديفيز بجائزة أفضل مخرج في جوائز جوثام في نيويورك، وفاز ديريس بجائزة أفضل أداء قيادي.
نيجيريا في قلب صناعة الفيلم
يؤكد ديفيز على أن “ظل أبي” هو نتاج للصناعة النيجيرية، قائلاً: “لا يمكنك استعارة أشخاص من تلك الصناعة بأكملها والقول إنها ليست جزءًا منها”. تم تصوير الفيلم بالكامل في لاغوس، مستمدًا قوته وجماله من نسيج المدينة وشوارعها النابضة بالحياة.
اكتشاف ذاكرة العائلة
عندما كان عمر أكينولا 20 شهرًا وويل 4 سنوات، توفي والدهما بشكل مفاجئ. لإنشاء صورة لوالدهما، اجتهد الأخوان لاستعادة ذكرياتهما، محاولين فصل الحقيقي عن المتخيل. يصف ديفيز هذه العملية بأنها “نوع من التقاء الذاكرة والحلم والإشاعات”.
مثل “ظل أبي” تحقيقًا لتطلعات ديفيز في عالم صناعة الأفلام. فبعد نجاح فيلمه القصير “Lizard” الذي رشح لجائزة BAFTA، رسخ “ظل أبي” مكانته كمخرج واعد. ومع ذلك، بالنسبة لديفيز، فإن جميع الجوائز تتضاءل أمام الأهمية الشخصية والعائلية لهذا الفيلم.
يقول ديفيز: “نظرًا لعمري هذا، فقد تسببت في حزني”. “لكن قبل التصوير مباشرة، أدركت أنني ما زلت حزينًا. بدأنا الإعداد بعد حوالي أسبوع من الذكرى السنوية لوفاة والدي.”
إن “ظل أبي” ليس مجرد فيلم، بل هو استكشاف مؤثر للذاكرة، والفقد، والحب العائلي، وقصة عن الصمود الأمل في نيجيريا. يتجاوز الفيلم مجرد السرد الشخصي ليصبح انعكاسًا للحظات مفصلية في تاريخ أمة.
