فيلادلفيا تحتفي بذكرى فنان الفسيفساء الأسطوري إشعياء زاغار
يغيب الفنان إشعياء زاغار، الذي زين شوارع فيلادلفيا بأعمال فنية فريدة، تاركًا وراءه إرثًا بصريًا يلامس القلوب ويحتفي بالجمال في أكثر الأماكن غير المتوقعة. أعلنت منظمة “حدائق زاغار السحرية” الفنية غیر الربحية يوم الخميس عن وفاته عن عمر يناهز 86 عامًا، وذلك في منزله بعد معاناته من مضاعفات قصور القلب ومرض باركنسون.
## إشعياء زاغار: سيرة فنية ألهمت فيلادلفيا
ولد إشعياء زاغار في فيلادلفيا، وشكلت المدينة جزءًا لا يتجزأ من هويته الفنية. بعد قضاء فترة مع فيلق السلام في بيرو، عاد إلى مدينته الأم عام 1968 برفقة زوجته جوليا، ليبدأ رحلة فنية طرزت جدران المدينة وفتحت آفاقًا جديدة في عالم الفسيفساء. على مر السنين، أبدع زاغار مئات الأعمال الفنية العامة، وتركز جزء كبير منها على طول شارع ساوث ستريت، الذي أصبح شاهدًا على تطور فنّه وروحه الإبداعية.
### شارع ساوث ستريت: لوحة فنية في الهواء الطلق
تُعد “ساوث ستريت” نقطة محورية في مسيرة إشعياء زاغار الفنية. عاش زاغار وزوجته هناك، وجعلا من الشارع معرضًا حيًا لأعمالهما. لقد أطلقت إميلي سميث، المديرة التنفيذية لمنظمة “حدائق زاغار السحرية”، على لفتاته الفنية بأنها “علامة أبدية على مدينتنا”، مشيرة إلى الحب العميق الذي كان يكنه زاغار لشارع ساوث ستريت، وللمدينة، وللمجتمع الذي احتضنه.
تستقطب “حدائق زاغار السحرية” الغامرة في شارع ساوث ستريت آلاف الزوار سنويًا، مما يدل على الأثر الدائم والرؤية الإبداعية التي تميز بها الفنان. هذه الحدائق ليست مجرد تجمعات فنية، بل هي تجارب تحويلية تأخذ الزوار في رحلة عبر الألوان والأشكال والمواد المتنوعة.
## فن زاغار: تحويل النفايات إلى كنوز فنية
تميز فن إشعياء زاغار بقدرته على تحويل المواد المهملة إلى أعمال فنية مذهلة. استخدم الزجاج المكسور، والبلاط، والمرايا، وأشياء أخرى تم العثور عليها، ليُعيد تشكيلها وتوظيفها في فسيفساء تزين المباني والجدران والأزقة. هذه الطريقة الفريدة لم تضف فقط جمالًا بصريًا للمدينة، بل حملت أيضًا رسالة حول الاستدامة وإعادة التدوير، محوّلة ما يعتبره البعض قمامة إلى جوهرة فنية.
### تحديات الحفاظ على التراث الفني
لم تخلُ مسيرة إشعياء زاغار الفنية من التحديات. واجهت بعض أعماله الفنية، بما في ذلك فسيفساء ضخمة في حي تاريخي كانت تضم مركز “The Painted Bride” للفنون، تهديدات التطوير العمراني. على الرغم من معركة قانونية طويلة، شهد ديسمبر الماضي هدم المبنى، لكن لحسن الحظ، تم إنقاذ أجزاء من أعمال زاغار، مما سمح بإبقاء جزء من إرثه الفني حيًا.
هذه الأحداث تسلط الضوء على الصراع المستمر بين التنمية الحضرية والحفاظ على التراث الفني والثقافي. إن حماية مثل هذه الأعمال الفنية العامة، التي ليست مجرد لوحات، بل هي جزء من نسيج المدينة، تتطلب جهودًا مستمرة وتعاونًا بين الفنانين والبلديات والمجتمعات.
## إشعياء زاغار: قصة صمود ومرونة
كان إشعياء زاغار شخصية متعددة الأبعاد، لم تقتصر إبداعاته على الفسيفساء فحسب، بل شملت أيضًا معركته الشخصية مع تحديات الصحة النفسية ومرض باركنسون. تصف إميلي سميث كيف تحول زاغار، في مواجهة هذه الصراعات، إلى صناعة الفن كأداة للبقاء على قيد الحياة والتعبير عن الذات. إن قدرته على الاستمرار في الإبداع رغم هذه التحديات هي شهادة على روحه القوية وعزيمته.
### أسرة وإرث مستمر
ترك إشعياء زاغار وراءه زوجته جوليا، التي وصفها بأنها كانت مصدر إلهامه وشريكته الفنية، بالإضافة إلى ولديه. ومن بين أبنائه جيريميا زاجار، المخرج الذي وثق حياة والده في فيلم وثائقي حمل عنوان “في حلم” عام 2008، مما أتاح للجمهور فرصة أعمق لفهم عالم الفنان ورؤيته الفريدة.
إن وفاته تمثل خسارة كبيرة لعالم الفن في فيلادلفيا وخارجها. لكن مع ذلك، يبقى إرثه الفني، وخاصة تلك الفسيفساء الملونة التي تزين شوارع المدينة، شاهدًا على بصمة لا تُمحى تركها إشعياء زاغار، وذكرى دائمة لقدرة الفن على تحويل العالم وجعل الأماكن العادية أماكن ساحرة.
## خاتمة
لقد جسد إشعياء زاغار قصة رائعة عن الإبداع، والمثابرة، والحب للمدينة. إن أعماله الفنية المدهشة، التي زينت جدران فيلادلفيا، ستظل مصدر إلهام للأجيال القادمة. بينما نحزن لفقده، فإننا نحتفي بالحياة التي عاشها والإرث الجميل الذي تركه وراءه. تدعو “حدائق زاغار السحرية” والمهتمون بالفن إلى زيارة أعماله، واستكشاف السحر الذي بثه في شوارع المدينة، والمساهمة في الحفاظ على هذا التراث الفريد.
