وداعًا لأسطورة هوليوود: روبرت دوفال، أيقونة الأدوار المتنوعة
في خبرٍ مؤلمٍ لعالم السينما، فقدت هوليوود نجمها الأيقوني، الممثل الحائز على جائزة الأوسكار روبرت دوفال، عن عمر يناهز 95 عامًا. اشتهر دوفال بأدواره التي تميزت بالتنوع العميق والتفاني الذي لا مثيل له، تاركًا بصمة لا تُمحى في تاريخ هوليوود. بدأ مسيرته المهنية بتمثيل شخصيات لا تُنسى، من مستشار عائلة كورليوني الجريء في فيلم “العراب” بجزأيه الأول والثاني، إلى مغني موسيقى الريف المؤثر في فيلم “Tender Mercies”.
أعلن وكيل أعماله عن وفاة دوفال “بسلام” في منزله بولاية فيرجينيا، بينما نشرت زوجته لوسيانا دوفال على فيسبوك رسالة مؤثرة تعبر فيها عن حبها له، وتصفه قائلة: “بالنسبة للعالم، كان ممثلًا ومخرجًا وراويًا حائزًا على جائزة الأوسكار. بالنسبة لي، كان ببساطة كل شيء”.
مسيرة فنية حافلة بالإنجازات
لم يكن روبرت دوفال، بخصاله الهادئة ومظهره الذي قد لا يوحي بالقوة المطلقة، ليخطر ببال الكثيرين أنه سيحظى بمسيرة مهنية امتدت لعقود، مليئة بالجوائز والإشادة النقدية. تنوعت أدواره بشكل مذهل، حيث جسد شخصيات تتراوح من الواعظ المتجول إلى شخصية جوزيف ستالين.
بدأت رحلته السينمائية عام 1962 بتقديم شخصية بو رادلي المنعزل في فيلم “To Kill a Mockingbird”. منذ ذلك الحين، قدم دوفال سلسلة من الصور السينمائية الخالدة التي أكسبته سبعة ترشيحات لجوائز الأوسكار، وفاز بجائزة أفضل ممثل عن دوره في فيلم “Tender Mercies” عام 1983. كما توج بأربع جوائز غولدن غلوب، منها جائزة عن دوره المحوري في المسلسل القصير “Lonesome Dove” عام 1989.
إرث “العراب” و”نهاية العالم الآن”
كان لفيلم “العراب” (The Godfather) عام 1972 دورٌ كبيرٌ في ترسيخ مكانة روبرت دوفال كأحد أكثر الممثلين طلبًا في هوليوود. بالرغم من أنه لم يكن في مركز الصدارة غالبًا، إلا أن أدائه لشخصية توم هاجن، المستشار الأيرلندي المخضرم في عائلة إيطالية، كان بمثابة خيطٍ لا غنى عنه يربط بين أركان ملحمة عائلة كورليوني.
علق الناقد السينمائي ديفيد طومسون على أداء دوفال في “العراب” قائلاً: “يعتمد النجوم والإيطاليون على حدٍ سواء على كفاءته، وتنظيمه لإيماءاته الكبرى، وكونه نقطة التوقف المثالية في فريق من الشخصيات الكسولة”.
في المقابل، قدم دوفال أداءً انفجاريًا لا يُنسى في فيلم “نهاية العالم الآن” (Apocalypse Now) للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، مجسدًا شخصية المقدم بيل كيلجور، المجنون بالقتال والمستعد لقيادة هجوم عسكري بأي ثمن. كانت مشاهد القائد الذي يهتف بحب رائحة النابالم في الصباح من اللحظات السينمائية القليلة التي تركت بصمة عالمية، وتُظهر القدرة الاستثنائية لدوفال على تجسيد أي شخصية مهما كانت معقدة.
التقدير والجوائز
لم يقتصر تقدير موهبة روبرت دوفال على النقاد والجمهور فحسب، بل امتد ليشمل حصوله على الميدالية الوطنية للفنون عام 2005. وبالرغم من ترشيحه لجائزة الأوسكار عن أدواره في “العراب” و”نهاية العالم الآن”، إلا أنه رفض المشاركة في الجزء الثالث من “العراب” بسبب خلافات مالية، الأمر الذي شكل خسارة حقيقية لمحبي الفيلم.
يُعرف دوفال بتفانيه الشديد في التحضير لأدواره، حيث كان يغمر نفسه بالشخصية ويستعد لها بجدية بالغة. وقد أشاد به زملاؤه في التمثيل، مثل مايكل كين، الذي وصفه بأنه “يجلس هادئًا تمامًا قبل مشهد كبير”.
أدواره البارزة وتأثيره
امتدت قائمة أدوار روبرت دوفال المتميزة لتشمل شخصيات متنوعة مثل الزعيم الخارج عن القانون في “True Grit”، وجيسي جيمس في “The Great Northfield Minnesota Raid”، والرجل المتدين في “MASH”، والرجل السيئ في “Network”، إلى جانب دوره كطبيب واتسون في “The Seven-Percent Solution”.
وفي عام 1998، قدم دوفال فيلم “The Apostle” الذي كتبه وأخرجه وقام ببطولته وتمويله جزئيًا. استغرق الأمر 12 عامًا لإنجاز هذا الفيلم الدرامي الذي تدور أحداثه حول مبشر جنوبي ضال، وقد كان تجسيده للشخصية بدقة تتسم بالعمق الروحي.
نشأته وتكوينه الفني
نشأ روبرت دوفال في عائلة عسكرية، حيث كان والده ضابطًا في البحرية. هذه الخلفية ساهمت في فهمه لديناميكيات الشخصيات العسكرية، والتي جسدها في العديد من أعماله. بالرغم من عدم تألقه الأكاديمي في البداية، إلا أن شغفه بالتمثيل ظهر في دروس الدراما، حيث اكتشف موهبته الفريدة.
بعد خدمته العسكرية، واصل دراسته في مجال المسرح، وتتلمذ على يد فنانين مرموقين، وتفاعل مع جيل جديد من الممثلين الموهوبين مثل روبرت مورس، جين هاكمان، وداستن هوفمان.
إرث دائم
شكل روبرت دوفال، بتفانيه وشغفه الفني، نموذجًا للممثل الشامل الذي استطاع أن يتجاوز حدود الأدوار النمطية. إن رحلته الفنية الممتدة، وخياراته الجريئة، وأدائه المتفرد، تركت إرثًا لا يُقدّر بثمن في عالم السينما، وسيظل اسمه محفورًا في ذاكرة محبي الفن السابع.
