يبدو أن الصور المخصصة للأجيال القادمة في أرشيفات الدولة الإسرائيلية تخضع لتعديلات جذرية، ما يثير تساؤلات حول مصداقية السجل التاريخي وشفافية الخطاب السياسي. فقد كشفت تقارير حديثة عن استخدام مكثف لبرامج تعديل الصور، مثل فوتوشوب، لتحسين صور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وزوجته سارة، وحتى إدراج صور مفبركة بالكامل في البيانات الرسمية. هذه الممارسة، التي بدأت تظهر في أعين المراقبين مؤخرًا، تضع مسؤولية حفظ التاريخ الإسرائيلي أمام اختبار حقيقي.

تعديل الصور الرسمي: سارة نتنياهو في قلب الجدل

القصة بدأت مع ملاحظات صحفية حول صور سارة نتنياهو، التي بدت خالية من العيوب بشكل لافت للنظر. بشرتها خالية من المسام، وعيناها محددتان بشكل مبالغ فيه، وشعرها مصفف بشكل مثالي – وهي ملامح لا تعكس الواقع، بل نتيجة لتنقيح رقمي مكثف. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتد ليشمل صورًا للزوجة خلال اجتماعاتها مع مسؤولين أمريكيين بارزين، مثل نائب الرئيس جي دي فانس، وحتى صورًا التقطت في مناسبات عامة.

هذا الأمر أثار استياء واسعًا بين الصحفيين والناشطين الذين يرون في ذلك تشويهًا للواقع وتقويضًا للثقة في المؤسسات الحكومية. الصحفي شابي جاتنيو، الذي نشر القصة في موقع “العين السابعة” الإسرائيلي، عبر عن قلقه من تضمين هذه الصور المعدلة في الأرشيف الرسمي، قائلاً إنها “ستصيب الأرشيف إلى الأبد بواقع افتراضي لم يكن موجودًا من قبل”.

اعتراف رسمي وإجراءات غير مسبوقة

في خطوة غير مسبوقة، اعترفت الحكومة الإسرائيلية بشكل ضمني بتعديل الصور، وقررت تضمين اسم سارة نتنياهو في البيانات الصحفية التي تحتوي على صور تم التلاعب بها. يهدف هذا الإجراء إلى إضفاء قدر من الشفافية على العملية، على الرغم من أنه لا يزال غير كافٍ بالنسبة للعديد من المراقبين.

هذا الاعتراف جاء بعد جدل واسع حول الصور التي ظهرت فيها السيدة نتنياهو في اجتماعات مع مسؤولين أجانب، والتي تم تنقيحها بشكل واضح لتنعيم بشرتها وإزالة التجاعيد. وقد أكد خبراء الطب الشرعي الرقمي، مثل هاني فريد من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، أن هذه الصور تعرضت لمعالجة مكثفة باستخدام برامج مثل فوتوشوب.

تداعيات على الثقة والمساءلة

قد يبدو استخدام برامج تعديل الصور أمرًا شائعًا في عالم المشاهير ووسائل التواصل الاجتماعي، ولكن المشكلة تكمن في استخدامها في سياق رسمي حكومي. يرى النقاد أن ذلك يمثل انتهاكًا للقواعد الأخلاقية ويضر بجهود الأرشفة الرسمية. فكيف يمكن الوثوق بسجل تاريخي يعتمد على صور مفبركة أو معدلة؟

مدير المكتب الصحفي الحكومي، نيتسان تشين، أكد أن صور رئيس الوزراء لا يتم التلاعب بها، وأن مكتبه لن يقوم بتحميل أي صور معدلة إلى الأرشيف الرسمي. ومع ذلك، يثير ذلك تساؤلات حول مدى سيطرة المكتب على عملية الأرشفة وما إذا كان بإمكان الأطراف الأخرى إدراج صور معدلة دون رقابة.

الذكاء الاصطناعي يقتحم المجال السياسي

لا يقتصر الأمر على تعديل الصور باستخدام فوتوشوب، بل امتد ليشمل استخدام الذكاء الاصطناعي في إنشاء صور مفبركة بالكامل. وقد أثارت صورة نشرها الحساب الرسمي لرئيس الوزراء نتنياهو على إنستغرام، والتي تظهر نتنياهو وزوجته مع الرئيس ترامب والسيدة الأولى ميلانيا ترامب يحتفلان بالعام الجديد، شكوكًا واسعة النطاق.

تظهر في الصورة السيدة نتنياهو وهي ترتدي فستانًا أسود لم تظهر به في أي صور أخرى للحدث، كما أن الألعاب النارية والأعلام في السماء تبدو وكأنها تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقد أضافت منصة إنستغرام لاحقًا علامة تشير إلى أن الصورة ربما تم تعديلها أو إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي.

هذه الحادثة تكشف عن توجه مقلق نحو استخدام التكنولوجيا لتزييف الواقع في المجال السياسي، وهو ما يهدد بتقويض الثقة في المؤسسات الحكومية والإعلام.

ظاهرة تتجاوز الحدود الإسرائيلية

إن استخدام الصور المعدلة أو المفبركة في الخطاب السياسي ليس ظاهرة إسرائيلية حصرية، بل هو اتجاه عالمي. العديد من الشخصيات العالمية، بما في ذلك الرئيس السابق دونالد ترامب، يستخدمون بانتظام برامج تعديل الصور والذكاء الاصطناعي لتقديم صورة مثالية لأنفسهم ولأجنداتهم السياسية.

تيهيلا شفارتز ألتشولر، من المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، وصفت ذلك بأنه “جزء من قواعد اللعبة الشعبوية”، وأشارت إلى أن نتنياهو يحاكي إلى حد كبير أسلوب ترامب في استخدام التكنولوجيا.

مستقبل الأرشفة والمساءلة في العصر الرقمي

يثير هذا الجدل أسئلة جوهرية حول مستقبل حفظ السجلات والاتصالات الحكومية الرسمية في العصر الرقمي. كيف يمكننا ضمان أن السجل التاريخي يعكس الواقع بدقة؟ وما هي التدابير اللازمة لحماية الثقة في المؤسسات الحكومية والإعلام؟

من الواضح أن هناك حاجة إلى وضع معايير وإرشادات واضحة لتعديل الصور واستخدام الذكاء الاصطناعي في السياقات الرسمية. يجب أن تكون الشفافية والمساءلة هما المبدأين الأساسيين في هذا المجال. بالإضافة إلى ذلك، يجب على وسائل الإعلام والمنصات الرقمية أن تتحمل مسؤوليتها في التحقق من صحة الصور التي تنشرها وتجنب نشر الصور التي تبدو وكأنها تم التلاعب بها.

إن الحفاظ على أرشيف رسمي موثوق به هو مسؤولية جماعية تتطلب تعاونًا بين الحكومة ووسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية والجمهور. يجب أن نضمن أن الأجيال القادمة لديها حق الوصول إلى سجلات تاريخية دقيقة وصادقة، وأننا لا نسمح للتكنولوجيا بأن تشوه الواقع أو تقوض الثقة في المؤسسات الديمقراطية. هذه القضية المتعلقة بـ تعديل الصور ليست مجرد مسألة تجميل أو تفضيل شخصي، بل هي مسألة تتعلق بالنزاهة والشفافية والمساءلة في الحكم.

شاركها.