كالاماتا تتوج بالذهب الفني: لوحة ماريا كالاس تجسد روح المدينة

كالاماتا، اليونان – لطالما اشتهرت مدينة كالاماتا الأسطورية بمنتجاتها الفائقة، من زيت الزيتون الذهبي إلى شواطئها الخلابة. لكن اليوم، تتربع المدينة اليونانية الساحرة على عرش الإبداع العالمي، بعد أن اختيرت لوحة جدارية هائلة تصور أيقونة الأوبرا ماريا كالاس، كأفضل عمل فني شوارع لعام 2025. هذه اللوحة، التي تحتل واجهة مبنى بارز في قلب المدينة، ليست مجرد عمل فني، بل أصبحت رمزًا جديدًا لروح كالاماتا، تجمع بين عراقة التاريخ وحداثة الفن.

تجسيد روح المدينة: من حقول الزيتون إلى سماء الأوبرا

تقع كالاماتا على بعد حوالي 240 كيلومترًا جنوب غرب العاصمة أثينا، وهي مدينة تعتز بتاريخها الزراعي العريق. يشتهر سكانها بزراعة الزيتون والتين والعنب، وهي المنتجات التي تلعب دورًا محوريًا في هوية المدينة واقتصادها. وقد استغل الفنان كليومينيس كوستوبولوس هذه الروابط العميقة في عمله الفني، ليربط بين الأرض والسماء، وبين التواضع والفخامة.

أراد قادة كالاماتا، بقيادة نائب عمدة التخطيط الاستراتيجي والحياد المناخي، فاسيليس بابافستاثيو، طريقة مبتكرة لتعزيز مفهوم التنمية المستدامة والمبادرات المحلية لسكان المدينة البالغ عددهم حوالي 73000 نسمة. كان الهدف هو جعل المفاهيم المجردة أكثر واقعية وملموسة، وخلق رسالة قوية تلهم الفخر بالانتماء إلى كالاماتا.

“أردنا أن تعكس هذه اللوحة رسالة واضحة ومتميزة حول ما تعنيه التنمية المستدامة لمدينة إقليمية مثل كالاماتا“، يوضح بابافستاثيو. “أردنا إنشاء صورة تجمع بين المنتجات المتواضعة للأرض، مثل الزيتون وزيت الزيتون – والتي، لنكن صادقين، مشهورة في جميع أنحاء العالم ووضعت كالاماتا على الخريطة – مع الفن الرفيع المستوى.”

ماريا كالاس: رمز ثقافي يربط الماضي بالحاضر

تمثل أيقونة الأوبرا ماريا كالاس، التي اعتبرت من أعظم مغنيات القرن العشرين، رمزًا ثقافيًا وطنيًا في اليونان. وعلى الرغم من أن كالاس ولدت في نيويورك، إلا أن والدها كان من قرية قريبة من كالاماتا، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من هوية المدينة بالنسبة لسكانها.

تجلى هذا الارتباط العميق من خلال العديد من المبادرات المحلية، بما في ذلك تسمية رابطة الخريجين في مدرسة الموسيقى باسم كالاس، وإنشاء معرض مخصص لها في المركز الثقافي. الفنان كليومينيس كوستوبولوس، الذي يبلغ من العمر 52 عامًا، أكد أن اللوحة الجدارية لم تكن تصور “ماريا كالاس” بالمعنى الحرفي، بل كانت محاولة لرسم كالاماتا (المدينة) بشكل مجازي.

بدلاً من تصوير صورة نمطية للمغنية، سعى كوستوبولوس إلى تجسيد جانب أكثر ثباتًا وإنسانية. فقد دمج عناصر تربط الناس بأرضهم، مثل أغصان الأشجار التي يعتبرها امتدادًا للجذور فوق الأرض، والطيور المحلية، والمنتجات الزراعية الشهيرة. “الفستان الذي صممته لماريا كالاس في لوحة ‘كالاماتا’ هو في الأساس كل هذا، كل هذا الإزهار، كل هذا الثمار”، قال كوستوبولوس. “إن الأرض المباركة التي تمتلكها كالاماتا نفسها… هي المكان الذي تأتي منه كل عناصر الطبيعة هذه.”

الفن العام: نافذة على التنمية المستدامة والسياحة

لم يكن إنشاء اللوحة الجدارية مجرد جهد فني، بل كان جزءًا من رؤية أوسع لتعزيز الاستدامة والتنمية في كالاماتا. فقد واجه جنوب اليونان تحديات بيئية كبيرة في السنوات الأخيرة، مثل موجات الحر والجفاف وحرائق الغابات، مما أثر على بساتين الزيتون التي يعتمد عليها اقتصاد المنطقة.

استغرقت عملية رسم اللوحة الجدارية حوالي أسبوعين، مقسمة على مدى شهر بسبب الظروف الجوية. استخدم كوستوبولوس الفرش بشكل أساسي، مع دمج تقنيات الطلاء بالرش وأدوات متخصصة للوصول إلى جميع أجزاء الجدار الضخم.

أصبحت اللوحة الجدارية، التي فازت بجائزة “أفضل جدارية في العالم” من قبل Street Art Cities، نقطة محورية في المدينة. “نعتقد أن هذه اللوحة ساعدتنا بشكل كبير بطرق عديدة، بما في ذلك تعزيز الترويج للمدينة كوجهة سياحية”، أكد بابافستاثيو.

مستقبل الفن العام في اليونان

بعيدًا عن تعزيز السياحة، أثارت اللوحة الجدارية نقاشات حيوية حول دور الفن العام في المدن. وقد أعرب المزيد من أصحاب المباني في كالاماتا عن اهتمامهم باستضافة أعمال فنية مماثلة.

“كلنا -المقيمون، وأنا شخصياً- نشعر بفخر كبير”، قالت معلمة السياحة ديميترا كورمولي.

أعرب كوستوبولوس عن أمله في أن يكون لهذا الإنجاز تأثير أوسع على مجتمع الفن في اليونان، وأن يزيد من الوعي بأهمية الفن العام. “إننا نرى أن مثل هذه التدخلات الحديثة في الفضاء العام تجلب فوائد ثقافية واجتماعية وتعليمية واقتصادية هائلة للمكان”، وأضاف: “هذه نقاط انطلاق جيدة لبدء محادثات لطيفة آمل أن تحدث يومًا ما في بلدنا أيضًا.”

تُعد لوحة “كالاماتا” خير دليل على كيف يمكن للفن أن يجمع بين التاريخ والثقافة والطبيعة، ليعكس هوية مدينة بأسلوب مبتكر وملهم، ويفتح آفاقًا جديدة للتنمية المستدامة.

شاركها.