تتصاعد حدة الاحتجاجات الزراعية في فرنسا واليونان مع استمرار المزارعين في التعبير عن رفضهم الشديد لاتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول ميركوسور في أمريكا الجنوبية. وقد شهدت الشوارع الفرنسية واليونانية مظاهرات حاشدة، وشلّت حركة المرور، وأغلقت الطرق الرئيسية، مما يعكس حالة الغضب والإحباط المتزايدة بين أوساط المزارعين الأوروبيين. هذه الأحداث تلقي الضوء على التحديات الكبيرة التي تواجه القطاع الزراعي في أوروبا، وتؤكد على أهمية الحفاظ على سبل عيش المجتمعات الريفية.
احتجاجات واسعة النطاق ضد اتفاقية ميركوسور
يوم الخميس، خرج عشرات آلاف المزارعين في فرنسا واليونان إلى الشوارع للتنديد بخطط الاتحاد الأوروبي للمضي قدمًا في اتفاقية التجارة الحرة مع البرازيل والأرجنتين وبوليفيا وباراجواي وأوروغواي. المزارعون يخشون أن يؤدي هذا الاتفاق إلى فيضان الأسواق الأوروبية بمنتجات زراعية أرخص من أمريكا الجنوبية، مما يهدد قدرتهم التنافسية ويضر بسبل عيشهم.
في فرنسا، قاد مئات المزارعين حوالي مائة جرار إلى باريس، واحتشدوا أمام الجمعية الوطنية، البرلمان الفرنسي، تحت حراسة أمنية مشددة. وزارة الداخلية الفرنسية أشارت إلى أن بعض المزارعين “تجاوزوا طريقهم عنوة”، بالرغم من الحظر الذي فرضته السلطات على التجمعات في بعض المناطق، إلا أن معظم الجرارات اعتصمت على الطرق الرئيسية المحيطة بباريس.
**اليونان تشهد حصارًا للطرق السريعة
المظاهرات في اليونان كانت أكثر حدة، حيث أطلق المزارعون حصارًا لمدة 48 ساعة على الطرق السريعة الرئيسية وتقاطعات الطرق ومحطات تحصيل الرسوم في جميع أنحاء البلاد. وقد أُغلقت الطرق الحيوية مثل الطريق السريع الذي يربط أثينا بمدينة سالونيك في كلا الاتجاهين، مما تسبب في شلل المرور باستثناء مركبات الطوارئ.
المزارعون اليونانيون طالبوا بدعم أقوى من الدولة، معتبرين أنهم “وصلوا إلى نقطة الانهيار”. يانيس باريتاس، أحد المزارعين المشاركين في الاحتجاجات، عبر عن يأس عائلته قائلاً: “لدينا خمسة أطفال. سنبقى هنا بقدر ما يلزم لإعالة عائلاتنا. لقد دفعونا إلى اليأس”. هذه الاحتجاجات ليست فقط ردة فعل على اتفاقية ميركوسور، بل هي أيضًا تعبير عن الغضب المتراكم بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، وفضيحة الاحتيال في الدعم، وانتشار الأمراض الحيوانية.
أسباب الغضب و المطالب المتزايدة
بدأت الاحتجاجات في نوفمبر الماضي، وتفاقمت بسبب عدة عوامل. ارتفاع تكاليف الإنتاج، بما في ذلك أسعار الطاقة والأسمدة، يمثل عبئًا كبيرًا على المزارعين. بالإضافة إلى ذلك، أدت فضيحة الاحتيال في الدعم إلى تأخير المدفوعات المستحقة للمزارعين، مما زاد من صعوباتهم المالية. كما أن تفشي مرض جدري الأغنام والماعز أثار مخاوف بشأن صحة القطيع وسبل العيش.
المزارعون الفرنسيون واليونانيون يطالبون بحماية إنتاجهم المحلي، وضمان أسعار عادلة لمنتجاتهم، وتخفيف الأعباء المالية التي تواجههم. كما يطالبون الحكومة الفرنسية بالوقوف بحزم ضد اتفاقية ميركوسور، التي يرون أنها تهدد مستقبل الزراعة الأوروبية. لودوفيك دوبو، من فرع التنسيق الريفي في كورسيكا، قطع مسافة طويلة بالجرار والقارب والقطار للوصول إلى باريس، مؤكدًا على ضرورة أن “يقف الرئيس ماكرون إلى جانب المزارعين”.
الآثار المحتملة لصفقة ميركوسور
يخشى المزارعون الأوروبيون من أن اتفاقية ميركوسور ستسمح بدخول كميات كبيرة من المنتجات الزراعية من أمريكا الجنوبية بأسعار أقل بكثير من تلك التي ينتجونها بها. على سبيل المثال، يحتاج المزارعون اليونانيون إلى ما بين 35 و 40 سنتًا لكل كيلوغرام من البطاطس لتحقيق التعادل، بينما يكفي 10 سنتات فقط للمزارعين البرازيليين. هذا الفارق الكبير في التكاليف يجعل من الصعب على المزارعين الأوروبيين التنافس في السوق.
فانجيليس روبيس، أحد منظمي الاحتجاجات في اليونان، حذر من أن “إذا تم تنفيذ هذا الاتفاق، فستنتهي الزراعة اليونانية”. وأضاف: “اليونان تعتمد على الزراعة والسياحة. ليس لدينا صناعة ثقيلة مثل ألمانيا أو فرنسا”. هذه المخاوف ليست مقتصرة على اليونان، بل تشترك فيها العديد من الدول الأوروبية الأخرى، بما في ذلك فرنسا وبولندا.
ردود الفعل الحكومية و التطورات الأخيرة
في محاولة لتهدئة الغضب، أعلنت الحكومة الفرنسية عن بعض التنازلات، بما في ذلك أسعار الكهرباء الرخيصة للمزارعين وتخفيضات ضريبة الوقود. ومع ذلك، يرى المزارعون أن هذه الإجراءات غير كافية، ويطالبون بتدابير أكثر شمولاً لحماية القطاع الزراعي.
في الوقت الحالي، يستأنف الاتحاد الأوروبي المفاوضات الداخلية بشأن اتفاقية التجارة الحرة مع دول ميركوسور، مع توقعات بإمكانية توقيع الاتفاق في باراجواي في 12 يناير. ومع ذلك، فإن معارضة فرنسا وبولندا القوية قد تعيق إتمام الصفقة. وزيرة الزراعة الفرنسية، آني جنيفارد، أكدت مجددًا معارضة فرنسا للاتفاق، مشيرة إلى أنه يهدد إنتاج لحوم البقر والدجاج والسكر والإيثانول والعسل، من بين قطاعات أخرى.
الوضع الحالي يمثل تحديًا كبيرًا للاتحاد الأوروبي، حيث يجد نفسه في موقف حرج بين الرغبة في تعزيز العلاقات التجارية مع دول أمريكا الجنوبية، والحاجة إلى حماية مصالح المزارعين الأوروبيين. وسط هذه التطورات، من الواضح أن الاحتجاجات الزراعية في فرنسا واليونان ستستمر في الضغط على الحكومات الأوروبية لاتخاذ قرارات تأخذ بعين الاعتبار مصالح جميع الأطراف المعنية. كما أن هذه الاحتجاجات تؤكد على أهمية الحوار والتفاوض لحل النزاعات القائمة، وإيجاد حلول مستدامة تدعم القطاع الزراعي وتحافظ على سبل عيش المزارعين. ويراقب المراقبون عن كثب نتائج هذه المفاوضات، وتأثيرها على مستقبل الزراعة الأوروبية و سياسة الاتحاد الأوروبي.
