واشنطن – اقترح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في خطوة تثير جدلاً واسعاً، تحديد الإنفاق العسكري الأمريكي بميزانية ضخمة تصل إلى 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2027، مبرراً ذلك بـ “الأوقات العصيبة والخطرة” التي يمر بها العالم. يأتي هذا الإعلان بعد أيام من أمر ترامب ببدء عملية عسكرية محتملة للإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتزامناً مع استمرار نشر القوات الأمريكية في منطقة البحر الكاريبي. هذا التصريح، بالإضافة إلى اقتراحات أخرى جريئة، يعكس رؤية ترامب لتحديد أولويات الأمن القومي واستعداد الولايات المتحدة لمواجهة التحديات المتزايدة.
ميزانية طموحة وتصريحات مثيرة للجدل
ترامب لم يكتفِ بالإعلان عن هذه الميزانية الضخمة، بل أطلق سلسلة من التصريحات التي فاجأت المراقبين. فقد دعا إلى زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي، بالتزامن مع إشارته إلى إمكانية الاستيلاء على جرينلاند الدنماركية بحجة الأمن القومي، وحتى التفكير في عمليات عسكرية في كولومبيا. وكأن ذلك لم يكن كافياً، حذر وزير الخارجية ماركو روبيو من أن كوبا، العدو القديم للولايات المتحدة، “في ورطة”.
في منشور له على منصة تروث سوشال، أوضح ترامب أن هذه الميزانية الطموحة “ستتيح لنا بناء ‘جيش الأحلام’ الذي نستحقه منذ فترة طويلة، والأهم من ذلك، أنها ستبقينا آمنين ومحميين، بغض النظر عن العدو”. ويرى ترامب أن تعزيز القدرات العسكرية الأمريكية هو السبيل الوحيد لضمان التفوق الاستراتيجي في عالم مليء بالتهديدات.
تعزيز الجيش الأمريكي بعد زيادات ضريبية
الجيش الأمريكي تلقى بالفعل دفعة قوية تقدر بنحو 175 مليار دولار، تم توفيرها من خلال التخفيضات الضريبية التي أقرها ترامب العام الماضي. هذه التخفيضات الضريبية، التي استفاد منها الأفراد والشركات على حد سواء، أدت إلى زيادة في الإيرادات الحكومية، وهو ما يبرر به ترامب زيادة ميزانية البنتاغون.
بينما جمعت الحكومة الأمريكية 288.5 مليار دولار من الرسوم الجمركية والضرائب غير المباشرة الأخرى في العام الماضي، مقارنة بـ 98.3 مليار دولار في عام 2024، يرى مركز السياسات الحزبية أن هذه الزيادة لن تكون كافية لتغطية الوعود المتعددة التي قطعها ترامب، والتي تشمل تسديد الديون الوطنية وتمويل الزيادات المقترحة في الإنفاق العسكري.
تهديد لشركة رايثيون ومراجعة لعقود الدفاع
لم يقتصر الأمر على الزيادات المقترحة في الإنفاق. فقد هدد ترامب يوم الأربعاء بقطع عقود وزارة الدفاع مع شركة رايثيون، إحدى كبرى شركات المقاولات الدفاعية في الولايات المتحدة، إذا لم تتوقف الشركة عن إعادة شراء أسهمها وتوجه المزيد من أرباحها للاستثمار في زيادة قدرتها التصنيعية.
“إما أن تتقدم رايثيون، وتبدأ في الاستثمار في استثمارات أكثر جوهرية مثل المصانع والمعدات، أو أنها لن تتعامل بعد الآن مع وزارة الحرب”، هكذا صرح ترامب، مؤكداً أنه لن يسمح للشركة بإجراء المزيد من عمليات إعادة شراء الأسهم. وقد أصدر ترامب أمراً تنفيذياً يوجه البنتاغون إلى مراجعة أداء مقاولي الدفاع وتقييم مدى استثماراتهم في التصنيع، مع التركيز على الشركات التي تواصل توزيع الأرباح وإعادة شراء الأسهم على الرغم من تأخرها في تسليم الأسلحة.
معايير جديدة لعقود الدفاع
الأمر التنفيذي يتضمن أيضاً مقترحاً لإضافة بند إلى العقود المستقبلية يحظر إعادة شراء الأسهم في حالة ضعف الأداء. ويُطلب من البنتاغون أن يربط المكافآت التنفيذية بمقاييس أداء طويلة الأجل، بدلاً من الأرقام المالية قصيرة الأجل. هذا التحول يهدف إلى ضمان أن الشركات الدفاعية تركز على تقديم منتجات عالية الجودة في الوقت المحدد، بدلاً من مجرد زيادة أرباحها للمساهمين.
ردود الفعل المتوقعة وتحديات الميزانية
من المتوقع أن يواجه إصرار ترامب على زيادة التمويل العسكري مقاومة من الديمقراطيين، الذين يفضلون الحفاظ على التوازن بين الإنفاق الدفاعي وغير الدفاعي. كما أن هذا الاقتراح قد يثير اعتراضات من بعض الصقور في الحزب الجمهوري، الذين يعارضون الإنفاق العسكري المفرط بسبب مخاوف بشأن العجز في الميزانية.
في وول ستريت، تراجعت أسهم شركات المقاولات الدفاعية بعد إعلان ترامب، حيث انخفض سهم نورثروب جرومان بنسبة 5.5٪، ولوكهيد مارتن بنسبة 4.8٪، وRTX (الشركة الأم لرايثيون) بنسبة 2.5٪. هذا الانخفاض يعكس قلق المستثمرين بشأن مستقبل العقود الدفاعية المحتملة.
في الختام، يمثل اقتراح الرئيس ترامب بزيادة ميزانية الدفاع الأمريكية تحولاً كبيراً في السياسة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة. ويثير هذا الاقتراح تساؤلات مهمة حول أولويات الأمن القومي، ودور القطاع الخاص في الإنفاق العسكري، وتأثير هذه الزيادات على الاقتصاد الأمريكي. من المؤكد أن هذه القضية ستكون محور نقاش واسع النطاق في الأشهر المقبلة، حيث يسعى الكونجرس إلى إقرار ميزانية جديدة للبلاد.
