في قلب واشنطن، تتصاعد الدراما حول مستقبل رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول. التحقيق الذي تجريه وزارة العدل الأمريكية معه، والذي يتعلق بتجاوزات في تكاليف تجديدات مباني الاحتياطي الفيدرالي، ألقى الضوء على سؤال محوري: هل سيغادر جيروم باول منصبه في مايو القادم، أم سيتخذ خطوة غير مسبوقة بالبقاء في مجلس المحافظين حتى عام 2028؟ هذا السؤال ليس مجرد مسألة تتعلق بمصير رئيس البنك المركزي، بل يمس جوهر استقلالية المؤسسة ومستقبل السياسة النقدية الأمريكية.

مستقبل جيروم باول: بين الاستقالة والبقاء

تنتهي فترة ولاية باول كرئيس للاحتياطي الفيدرالي في 15 مايو، لكن هيكل البنك المركزي يسمح له بالبقاء كعضو في مجلس المحافظين حتى 31 يناير 2028. تاريخيًا، اعتاد رؤساء الاحتياطي الفيدرالي على الاستقالة من المجلس بمجرد انتهاء فترة رئاستهم، لكن باول قد يكون أول رئيس منذ ما يقرب من نصف قرن يكسر هذا التقليد.

يعتقد العديد من المراقبين أن التحقيق الجنائي ليس سوى محاولة لترهيب باول لدفعه إلى الاستقالة، وبالتالي فتح الباب أمام تعيين رئيس جديد يتماشى مع رؤى الإدارة الحالية. هذا السيناريو يثير قلقًا بالغًا بشأن التدخل السياسي المحتمل في عمل بنك الاحتياطي الفيدرالي.

دوافع ترامب للسيطرة على الاحتياطي الفيدرالي

لم يخف الرئيس السابق دونالد ترامب استياءه من سياسات باول، خاصةً عدم خفض أسعار الفائدة بالشكل الذي يريده. حتى مع تراجع معدلات التضخم، استمر ترامب في انتقاد الاحتياطي الفيدرالي، معربًا عن أمله في تعيين رئيس جديد في الأسابيع القليلة القادمة.

لكن بقاء باول في مجلس المحافظين سيحرم البيت الأبيض من فرصة الحصول على أغلبية في المجلس، مما يعيق جهود أي إدارة تسعى إلى السيطرة على السياسة النقدية. كما أن هذا البقاء سيقلل من قوة أي رئيس جديد يتم تعيينه، حيث سيواجه مقاومة من باول والأعضاء الآخرين في المجلس.

ماذا لو بقي باول في مجلس المحافظين؟

إذا قرر جيروم باول البقاء في مجلس المحافظين بعد انتهاء فترة رئاسته، فستتغير الديناميكية بشكل كبير. حتى لو تمكن ترامب من تعيين رئيس جديد، فسيظل لديه فقط ثلاثة تعيينات في المجلس المكون من سبعة أعضاء، وهو أقل من الأغلبية.

وهذا يعني أن الرئيس الجديد سيجد صعوبة بالغة في تنفيذ سياسات تختلف عن تلك التي يدعمها باول والأعضاء الآخرون. كما أن باول، بصفته محافظًا، سيظل قادرًا على التأثير في قرارات البنك المركزي، خاصةً من خلال عضويته في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC)، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة.

تأثير ذلك على أسعار الفائدة

قد يؤدي بقاء باول إلى إبطاء وتيرة خفض أسعار الفائدة، وهو ما قد لا يروق للإدارة الحالية. فالرئيس ترامب كان يفضل أسعار فائدة أقل لتحفيز النمو الاقتصادي، لكن باول قد يرى أن الحفاظ على استقرار الأسعار يتطلب الحذر في هذا الصدد.

ماذا لو غادر باول مجلس المحافظين؟

في المقابل، إذا استقال باول من مجلس المحافظين، فستتاح للإدارة الحالية فرصة ذهبية لتعيين أربعة أعضاء جدد، وبالتالي الحصول على أغلبية واضحة.

هذا السيناريو قد يفتح الباب أمام تغييرات جذرية في سياسات الاحتياطي الفيدرالي، بما في ذلك خفض أسعار الفائدة بشكل أسرع، وتخفيف القيود التنظيمية على البنوك، وحتى تغيير الهدف الأساسي للبنك المركزي.

خطر التدخل السياسي

لكن هذا السيناريو يحمل أيضًا مخاطر كبيرة، أهمها احتمال التدخل السياسي في عمل البنك المركزي. فقد يؤدي وجود أغلبية موالية للإدارة إلى اتخاذ قرارات تخدم مصالح سياسية قصيرة الأجل على حساب الاستقرار الاقتصادي طويل الأجل.

سوابق تاريخية: دروس من الماضي

على الرغم من أن بقاء باول في مجلس المحافظين سيكون أمرًا غير معتاد، إلا أنه ليس مستحيلاً. ففي عام 1978، بقي آرثر بيرنز، الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي، في المجلس لبضعة أسابيع بعد انتهاء فترة رئاسته.

لكن المثال الأكثر إثارة للاهتمام هو حالة مارينر إيكليس، الذي شغل منصب رئيس الاحتياطي الفيدرالي في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. بعد انتهاء فترة رئاسته، ظل إيكليس محافظًا لمدة ثلاث سنوات، واستخدم منصبه لتقويض سياسات إدارة ترومان، مما أدى إلى أزمة كبيرة في العلاقة بين البنك المركزي والخزانة الأمريكية. هذه القصة بمثابة تحذير للإدارة الحالية بشأن مخاطر محاولة السيطرة على الاحتياطي الفيدرالي.

مستقبل غير مؤكد

في الختام، مستقبل جيروم باول في الاحتياطي الفيدرالي لا يزال غير مؤكد. القرار الذي سيتخذه سيحدد إلى حد كبير مسار السياسة النقدية الأمريكية في السنوات القادمة، وسيكون له تداعيات كبيرة على الاقتصاد العالمي. من الواضح أن هذا الملف سيظل قيد المتابعة الدقيقة في الأيام والأسابيع القادمة، حيث ينتظر الجميع بفارغ الصبر معرفة ما إذا كان باول سيختار البقاء كحارس لاستقلالية البنك المركزي، أم سيغادر ليفتح الباب أمام تغييرات جذرية. تابعونا لمزيد من التحديثات حول هذا الموضوع الهام.

شاركها.