نقانق بيروت “المكوية”: نكهة صربية أصيلة تتحدى الزمن وتواجه التحديات

خلال أشهر الشتاء الباردة في جنوب شرق صربيا، تتألق بلدة بيروت بتقليد فريد يبعث الدفء في النفوس ويرفع الروح المعنوية، وهو تقديم النقانق الحارة المصنوعة تقليديًا، والمعروفة باسم “peglana kobasica” أو “النقانق المكوية”. هذه اللذة الصربية الأصيلة، ليست مجرد طعام، بل هي جزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمنطقة، وتحمل بين طياتها قصة قرون من الخبرة والشغف.

رحلة عبر الزمن: أصول النقانق المكوية

تعود جذور صناعة النقانق في بيروت إلى ما لا يقل عن قرن من الزمان، وربما تمتد إلى حقبة الحكم العثماني الذي اختتم في البلقان عام 1913. في العصور القديمة، كان الحرفيون يستخدمون لحوم الحيوانات الأكبر سنًا لحشو النقانق، ثم يتركونها لتجف بعناية، وغالبًا ما كانوا يعلقونها على أعواد المكانس في حظائرهم أو علياتهم. هذا النهج التقليدي، الذي يركز على الاستفادة الكاملة من الموارد المتاحة، هو ما ساهم في صقل هذه الحرفة عبر الأجيال.

كيف تُصنع “النقانق المكوية”؟ فن الدقة والتجفيف

إن اسم “النقانق المكوية” يأتي من تقنية التجفيف الفريدة التي تميزها. يتم تسطيح هذه النقانق يدويًا يوميًا باستخدام زجاجات، مما يجعلها رقيقة ويعطيها شكل حدوة الحصان المميز. هذه العملية، التي تتطلب جهدًا ووقتًا، تساهم في استخلاص الرطوبة من اللحم، وتؤدي إلى مزج النكهات بشكل عميق، مما يمنحها مذاقًا غنيًا وقوامًا فريدًا.

قال مارجان سافيتش، الذي يرأس رابطة منتجي النقانق المكوية، لوكالة أسوشيتد برس: “إنه منتج فائق الجودة”. “النقانق لدينا هي واحدة من الأفضل، إن لم تكن الأفضل.”

عملية الإنتاج التفصيلية:

  • تنظيف اللحم: تبدأ العملية بتنظيف اللحم بعناية فائقة، وإزالة جميع الدهون والأنسجة الضامة، وهي مرحلة تتطلب دقة وجهدًا كبيرين.
  • التوابل الطبيعية: يُضاف إلى اللحم خليط غني من التوابل، بما في ذلك الثوم والفلفل الحار، المحصودة من جبل ستارا بلانينا ذي المناظر الخلابة القريب. تمنح هذه التوابل النقانق نكهتها العطرية المميزة.
  • التجفيف والتسطيح: بعد التوابل، تبدأ مرحلة التجفيف، حيث تُسوى النقانق يدويًا يوميًا باستخدام الزجاجات. هذه التقنية هي السمة المميزة للنقانق المكوية، وتمنحها شكلها وقوامها الفريد.
  • التعتيق: يستغرق الحصول على منتج جاف وجاهز للاستهلاك حوالي شهر. وخلال هذه الفترة، تتطور النكهات وتتعمّق.

جودة تلتقي بالتميز الإقليمي

تفتخر نقانق بيروت المكوية بجودتها العالية وتصنيعها العضوي المستدام. لم يعد هذا المطبخ الشهي مجرد تقليد محلي، بل اكتسب شهرة واسعة خارج حدود بلدة بيروت الهادئة. في عام 2022، حصلت النقانق على شهادة من سلطات سلامة الأغذية بالولاية للتميز الإقليمي والمنشأ.

تتطلب هذه العملية من المنتجين الالتزام بمجموعة من اللوائح الصارمة للحصول على الختم الرسمي، مما يضمن جودة المنتج وسلامته. يوجد حاليًا حوالي 35-40 منتجًا معتمدًا في المنطقة، يستخدمون لحوم البقر والماعز المرباة محليًا، والمزروعة وفقًا لأفضل الممارسات.

تحديات تواجه تقليدًا عريقًا

على الرغم من الطلب المتزايد والشهرة التي اكتسبتها نقانق بيروت المكوية، إلا أن هذا التقليد العريق يواجه عددًا من التحديات. من أبرز هذه التحديات هو تضاؤل ​​قطعان الماعز في المنطقة، وفصول الشتاء الأكثر دفئًا ورطوبة بشكل عام في السنوات الأخيرة. يربط الخبراء هذه التغيرات جزئيًا بتغير المناخ.

تؤثر هذه الظروف المناخية سلبًا على قدرة النقانق على التجفيف بشكل طبيعي، وهو عنصر أساسي في عملية التصنيع. هذا التحدي يتطلب من المنتجين إيجاد حلول مبتكرة للحفاظ على جودة منتجهم وتقاليدهم.

كيف تستمتع بنكهة صربيا الأصيلة؟

يستهلك السكان المحليون في بيروت هذه النقانق كطبق هضمي بعد وجبة شهية. يتم تقطيعها إلى شرائح رفيعة ومضغها ببطء مع النبيذ الأحمر. ينصح سافيتش باختيار نبيذ أحمر قوي نسبيًا ليتناسب مع الرائحة النفاذة للنقانق. “إنه ليس جيدًا مع النبيذ الأبيض”، كما يقول.

تُعرض هذه النقانق في معرض سنوي يقام في بيروت في شهر يناير، ويجذب آلاف الزوار، بما في ذلك العديد من البلغاريين المجاورين، مما يعزز مكانة هذه النكهة المحلية كواحدة من أبرز معالم المطبخ الصربي.

مع استمرار التحديات، يسعى منتجو نقانق بيروت المكوية جاهدين للحفاظ على إرث الأجداد، وتقديم تجربة طعام فريدة تجمع بين الجودة العالية، والنكهات الأصيلة، والتاريخ الغني. إنها حقًا رحلة تذوق تستحق الاستكشاف.

شاركها.