اليونان تشهد تصعيدًا في احتجاجات المزارعين بسبب الأزمات الاقتصادية والاتفاقيات التجارية
تصاعدت احتجاجات المزارعين في اليونان بشكل ملحوظ خلال الأيام الماضية، حيث أعلنوا عن حصار للطرق لمدة 48 ساعة في جميع أنحاء البلاد، اعتراضًا على ارتفاع تكاليف الإنتاج ورفضهم اتفاقية التجارة الحرة المقترحة بين الاتحاد الأوروبي ودول أمريكا الجنوبية، المعروفة باسم اتفاقية ميركوسور. هذا التصعيد يعكس حالة الإحباط واليأس التي يعيشها القطاع الزراعي اليوناني، الذي يرى نفسه مهددًا بالضغوط الاقتصادية والتنافسية المتزايدة.
أسباب الاحتجاجات: أزمة متفاقمة في القطاع الزراعي
تعتبر الزيادة الحادة في تكاليف الإنتاج الزراعي السبب الرئيسي وراء هذه الاحتجاجات الواسعة النطاق. يعاني المزارعون اليونانيون من ارتفاع أسعار الأسمدة، والوقود، والطاقة، بالإضافة إلى صعوبة الحصول على قروض ميسرة. هذه العوامل مجتمعة تضغط بشدة على هوامش الربح، مما يجعل الزراعة غير مربحة للعديد منهم.
تأثير الأزمات المتتالية
لم تكن الزيادة في التكاليف هي الأزمة الوحيدة التي تواجه المزارعين. فقد فاقمت فضيحة الاحتيال في الدعم، والتي أدت إلى تأخير المدفوعات المستحقة، الوضع المالي الهش للعديد من المزارع. بالإضافة إلى ذلك، ساهم تفشي مرض جدري الأغنام والماعز في زيادة الخسائر وتفاقم المخاوف، مما دفع المزارعين إلى الشعور بالتخلي من قبل الحكومة. يقول يانيس باريتاس، مزارع الملفوف وأحد المشاركين في الاحتجاجات: “لقد وصلنا إلى نقطة الانهيار. سنبقى هنا بقدر ما يلزم لإعالة عائلاتنا. لقد دفعونا إلى اليأس.”
حصار الطرق وتأثيره على الحياة اليومية
شمل حصار الطرق الذي أعلنه المزارعون الطرق الرئيسية في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الطريق السريع الحيوي الذي يربط أثينا بسالونيك. أدى ذلك إلى توقف حركة المرور بشكل كامل، باستثناء مركبات الطوارئ، مما تسبب في إرباك وفوضى للمواطنين.
قامت الشرطة بتوجيه حركة المرور إلى الطرق البديلة حيثما أمكن ذلك، لكنها تجنبت التدخل المباشر لتفادي التصعيد. وقد أثر هذا الحصار بشكل كبير على حركة البضائع والخدمات، مما أثار مخاوف بشأن نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.
اتفاقية ميركوسور: التهديد الأكبر للمزارعين اليونانيين
يشكل الاتفاق التجاري المقترح بين الاتحاد الأوروبي ودول أمريكا الجنوبية، والمعروف باسم ميركوسور، تهديدًا وجوديًا للقطاع الزراعي اليوناني، وفقًا للمزارعين.
تفاوت تكاليف الإنتاج
يخشى المزارعون الأوروبيون، واليونانيون على رأسهم، أن يؤدي هذا الاتفاق إلى إغراق السوق الأوروبية بواردات زراعية أرخص من أمريكا الجنوبية. ويشير فانجيليس روبيس، أحد منظمي الاحتجاجات، إلى أن تكاليف الإنتاج في اليونان أعلى بنسبة 300٪ مقارنة بأمريكا اللاتينية. ويوضح روبيس: “إذا تم تنفيذ هذا الاتفاق، فستنتهي الزراعة اليونانية. تعتمد اليونان على الزراعة والسياحة. ليس لدينا صناعات ثقيلة مثل ألمانيا أو فرنسا.” كمثال، يذكر روبيس أن إنتاج البطاطس يكلف المزارعين اليونانيين ما بين 35 و 40 سنتًا للكيلوغرام، بينما يكلف المزارعين البرازيليين حوالي 10 سنتات فقط.
ردود فعل الحكومة وتصعيد الموقف
في محاولة لتهدئة غضب المزارعين، أعلنت الحكومة اليونانية عن سلسلة من التنازلات يوم الأربعاء، بما في ذلك توفير أسعار كهرباء مخفضة وتخفيضات ضريبية على الوقود. ومع ذلك، يعتبر المزارعون هذه الإجراءات غير كافية، ويطالبون بدعم أقوى وأكثر شمولاً من الدولة.
وقد حذرت الحكومة من أنها لن تتسامح مع المزيد من حصار الطرق لفترات طويلة. يظهر هذا التحذير تصاعدًا في الموقف، وربما يؤدي إلى مواجهات أكثر حدة بين المزارعين وقوات الأمن. من خلال هذه الاحتجاجات، يسعى المزارعون اليونانيون إلى لفت انتباه الحكومة والاتحاد الأوروبي إلى الأزمة المتفاقمة التي تواجه القطاع الزراعي، والمطالبة بتدابير عاجلة لحماية سبل عيشهم.
تضامن أوروبي.. واحتجاجات مماثلة في فرنسا
لم تقتصر الاحتجاجات على اليونان وحدها، بل امتدت لتشمل دولًا أخرى في الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها فرنسا. حيث شهدت فرنسا احتجاجات مماثلة من المزارعين الذين يخشون من تأثير اتفاقية ميركوسور على دخول المنتجات الزراعية اللاتينية بأسعار تنافسية، مما يؤثر على دخلهم. يعكس هذا التضامن الأوروبي القلق المشترك بشأن مستقبل الزراعة في القارة في ظل هذه التحديات التجارية والاقتصادية.
الخلاصة: مستقبل الزراعة اليونانية على المحك
تكشف احتجاجات المزارعين في اليونان عن أزمة عميقة تواجه القطاع الزراعي، والتي تهدد الأمن الغذائي والاقتصادي للبلاد. يجب على الحكومة والاتحاد الأوروبي الاستماع إلى مطالب المزارعين، واتخاذ تدابير عاجلة لمعالجة ارتفاع تكاليف الإنتاج وتقديم الدعم اللازم لضمان بقاء الزراعة اليونانية قابلة للحياة. إن مستقبل الزراعة اليونانية، التي تمثل ركيزة أساسية للاقتصاد والمجتمع، على المحك. من الضروري إيجاد حلول مستدامة تضمن حماية مصالح المزارعين وتعزيز القدرة التنافسية للقطاع الزراعي اليوناني في مواجهة التحديات العالمية.
