كانويلاس، الأرجنتين – بعد عقود من المفاوضات المتقطعة، وشهدت تحولات جيوسياسية كبيرة، يقف الاتحاد الأوروبي و”ميركوسور” (تجمع دول أمريكا الجنوبية المشتركة) على أعتاب توقيع اتفاقية تجارة حرة تاريخية. هذا الحدث، المقرر في باراجواي، يمثل نقطة تحول في العلاقات التجارية عبر الأطلسي، ويحمل في طياته تداعيات أوسع نطاقًا على الصعيد العالمي، خاصة في ظل التنافس المتزايد بين القوى الكبرى. الاتفاق، الذي بدأ التخطيط له قبل ظهور اليورو أو انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية، يهدف إلى إزالة الحواجز التجارية بين الطرفين، وتعزيز النمو الاقتصادي، وتعميق الروابط الدبلوماسية.
اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور: ولادة منطقة تجارية عملاقة
تمثل هذه الاتفاقية أول اتفاق تجاري كبير لميركوسور، التي تضم البرازيل والأرجنتين وباراجواي وأوروغواي، وهي أكبر اقتصادات المنطقة. على الرغم من أن بوليفيا لم تشارك في المفاوضات الأولية، إلا أنها قد تنضم في المستقبل. تكمن أهمية هذه الخطوة في إنشاء واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم، حيث يمثل الاتحاد الأوروبي وميركوسور معًا أكثر من 700 مليون نسمة، أي ما يعادل ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. هذا الإنجاز يأتي في وقت تسحب فيه الولايات المتحدة نفسها من الاتفاقيات التجارية الدولية، وتواصل الصين توسيع نفوذها الاقتصادي في جميع أنحاء العالم.
دوافع وراء الاتفاق: البحث عن بدائل في عالم متغير
لم تعد هذه الاتفاقية مجرد مسألة تجارية بحتة، بل أصبحت تعكس رغبة دول أمريكا الجنوبية في تنويع شركائها التجاريين وتقليل اعتمادها على القوى العظمى. كما يراها البعض بمثابة محاولة لتعزيز الاستقلالية الاقتصادية للمنطقة. يقول لي شلينكر، الباحث في معهد كوينسي لفن الحكم المسؤول: “إنها إشارة إلى أن اقتصادات أمريكا الجنوبية تسعى إلى التحوط بعيدًا عن منافسة القوى العظمى بين الولايات المتحدة والصين”.
فرص واعدة للمنتجات الزراعية والصناعية
تفتح هذه الاتفاقية آفاقًا جديدة للمنتجات الزراعية والصناعية من كلا الجانبين. بالنسبة لأمريكا الجنوبية، ستتيح الوصول إلى السوق الأوروبية بأسعار تفضيلية، خاصة بالنسبة لمنتجات مثل اللحوم الأرجنتينية والنحاس البرازيلي. في المقابل، ستستفيد الشركات الأوروبية، وخاصة في قطاعات السيارات والأدوية والبناء، من الوصول إلى قاعدة مستهلكين واسعة في أمريكا الجنوبية. من المتوقع أن تحقق الصادرات الزراعية البرازيلية إلى الاتحاد الأوروبي، مثل القهوة والدواجن وعصير البرتقال، حوالي 7 مليارات دولار في السنوات القادمة.
تحديات الاتفاق: مقاومة المزارعين الأوروبيين والاعتبارات السياسية
لم يكن طريق هذه الاتفاقية مفروشًا بالورود. واجهت معارضة شديدة من المزارعين الأوروبيين الذين يخشون تدفق المنتجات الغذائية الرخيصة من أمريكا الجنوبية. وقد نظموا احتجاجات واسعة النطاق في عواصم أوروبية، مما أجبر الاتحاد الأوروبي على تقديم تنازلات كبيرة.
تنازلات الاتحاد الأوروبي: دعم مالي للمزارعين
لتهدئة غضب المزارعين، قدم الاتحاد الأوروبي حزمة دعم مالي ضخمة تصل قيمتها إلى 52 مليار دولار. يصفها جاكوب فونك كيركيجارد، الزميل في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، بأنها “رشوة كبيرة”، مشيرًا إلى أن القادة الأوروبيين يعتبرون الاتفاق ضروريًا للغاية في هذه اللحظة. كما أن بعض الدول الأعضاء، مثل فرنسا وبولندا، أبدت معارضة قوية للاتفاق في البداية، قبل أن تغير موقفها بعد تلقي هذه التنازلات.
“البقرة مقابل السيارات”: ميزان القوى في الاتفاقية
أطلق البعض على هذه الصفقة اسم “البقرة مقابل السيارات”، في إشارة إلى أن صناعة السيارات الأوروبية ستستفيد بشكل كبير من الاتفاقية، مقابل فتح الأسواق أمام المنتجات الزراعية من أمريكا الجنوبية. تأمل شركات السيارات الألمانية العملاقة، مثل فولكس فاجن وبي إم دبليو، في استعادة حصتها في سوق أمريكا الجنوبية، التي تضررت بسبب المنافسة المتزايدة من الصين. إلغاء الرسوم الجمركية بنسبة 35% على قطع غيار السيارات والسيارات يمثل فرصة نادرة للمصدرين الأوروبيين.
مستقبل الاتفاقية: خطوات متبقية وتوقعات متباينة
على الرغم من التوصل إلى اتفاق مبدئي، لا تزال هناك عدة خطوات يتعين اتخاذها قبل أن يصبح الاتفاق ساري المفعول. يجب أن يتم التصديق عليه من قبل البرلمان الأوروبي، وهو ما قد يستغرق بعض الوقت نظرًا للمعارضة التي واجهها. كما أن هناك حاجة إلى مزيد من التفاوض حول بعض القضايا الفنية، مثل معايير السلامة الغذائية وحماية البيئة.
في الختام، تمثل اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور لحظة تاريخية في العلاقات التجارية عبر الأطلسي. إنها فرصة لتعزيز النمو الاقتصادي، وتنويع الشراكات التجارية، وتعزيز الاستقلالية الاقتصادية لدول أمريكا الجنوبية. ومع ذلك، فإن نجاح الاتفاقية يعتمد على قدرة الطرفين على التغلب على التحديات المتبقية، ومعالجة مخاوف المزارعين الأوروبيين، وضمان تنفيذ الاتفاقية بشكل عادل وشفاف. هذا الاتفاق، الذي طال انتظاره، قد يعيد تشكيل خريطة التجارة الدولية ويضع معايير جديدة للتعاون الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين.
