كيم جونغ أون يبرز تحسن اقتصاد كوريا الشمالية ويعزز مكانتها الإقليمية في مؤتمر حزبي هام

في حدث سياسي جوهري، افتتح الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون مؤتمر حزب العمال، مؤكداً على التحسينات التي شهدها اقتصاد بلاده وتعزيز مكانتها الإقليمية. يُعد هذا المؤتمر، الذي يتوقع أن يستمر لعدة أيام في بيونغ يانغ، فرصة حاسمة لتحديد أجندة سياسات كيم للأعوام الخمسة المقبلة، وترسيخ الحكم الاستبدادي لعائلته.

تعزيز القوة الإقليمية والنووية

يأتي مؤتمر حزب العمال في وقت يسعى فيه كيم إلى تحقيق وجود إقليمي أكثر قوة، مستفيداً من ترسانته النووية المتقدمة وتحالفه المتنامي مع موسكو. وقد عمّق هذا التحالف المواجهات مع واشنطن وسيول. من المرجح أن يوفر الاجتماع منصة لكيم لعرض أهدافه السياسية والعسكرية الرئيسية، وتعزيز قبضته السلطوية أمام الآلاف من مندوبي الحزب الحاكم.

وفي إشارة محتملة إلى استمرارية النظام، يشير بعض المحللين إلى أن كيم قد يستغل المؤتمر لتحديد موقع ابنته المراهقة، التي يُعتقد أنها تدعى كيم جو آي، كخليفة محتمل. هذا من شأنه أن يضفي الطابع الرسمي على خلافة الجيل الرابع للنظام.

ثقة متزايدة بعد خمسة عشر عاماً في السلطة

يدخل كيم جونغ أون عامه الخامس عشر في السلطة، وهو في وضع أقوى بكثير مما كان عليه عند دعوته للمؤتمر السابق في عام 2021. في ذلك الوقت، كانت كوريا الشمالية تواجه أزمة اقتصادية خانقة، تفاقمت بسبب جائحة كوفيد-19 وفشل دبلوماسيته مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب.

في ذلك الحين، اعترف كيم بصعوبات اقتصادية نادرة وأصدر خطة تنمية خمسية حتى عام 2025، داعياً إلى الاعتماد على الذات اقتصادياً من خلال التعبئة الجماهيرية. كما ضاعف من طموحاته النووية وأصدر قائمة طويلة من أنظمة الأسلحة المتطورة. اليوم، يبدو كيم أقل عزلة وأكثر ثقة، مدعوماً بعلاقات أقوى مع روسيا والصين، وترسانة نووية واسعة النطاق، وعلى ما يبدو اقتصاد يتحسن تدريجياً.

وفي خطابه يوم الخميس، ادعى كيم أن كوريا الشمالية حققت تقدماً كبيراً منذ عام 2021، مستشهداً بالمكاسب الاقتصادية والمكانة الإقليمية الأكثر ثباتاً. ووصف هذه المكاسب بأنها تعزيز “لا رجعة فيه” لمكانة الدولة.

الاستفادة من الاضطرابات الجيوسياسية

استغل كيم الاضطرابات الجيوسياسية العالمية، مستخدماً حرب روسيا في أوكرانيا كفرصة لتسريع تطوير الأسلحة وتعزيز العلاقات مع موسكو. قدمت بيونغ يانغ آلاف القوات وشحنات كبيرة من الذخائر لدعم المجهود الحربي الروسي، ربما مقابل المساعدات والتكنولوجيا العسكرية.

علاوة على ذلك، يسعى كيم إلى التقرب من الصين. فقد انضم إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في احتفال خاص بالحرب العالمية الثانية في بكين في سبتمبر الماضي، وعقد أول قمة له مع الرئيس الصيني شي جين بينغ في ست سنوات. هذه الأحداث دعمت جهوده لتصوير الشمال كجزء من جبهة موحدة ضد واشنطن.

الصورة الاقتصادية: بين الغموض والنمو

على الرغم من الحصار الصارم للمعلومات الذي تفرضه بيونغ يانغ، الذي يحجب الصورة الكاملة لاقتصاد كوريا الشمالية الذي لا يزال يعاني بعد عقود من الفشل السياسي والعقوبات، إلا أن هناك مؤشرات على انتعاش. يقدّر لي جونغ كيو، محلل في معهد التنمية الكوري في كوريا الجنوبية، أن اقتصاد البلاد نما بنسبة 10% تقريباً خلال الخمس سنوات الماضية، مستفيداً من انتعاش التجارة مع الصين بعد الوباء وصادرات الأسلحة إلى روسيا.

قال كوه يو هوان، الرئيس السابق لمعهد التوحيد الوطني في سيول: “قد تكون السنوات الخمس الماضية هي الفترة الأكثر إنتاجية بالنسبة للقيادة الكورية الشمالية منذ الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي”. ويضيف كوه أنه نظراً لثقة كيم المتزايدة، فمن غير المرجح أن يقدم المؤتمر تحولات كبيرة في السياسة الداخلية، وسيواصل التأكيد على الوحدة الداخلية والاعتماد على الذات ضمن خطة اقتصادية خمسية أخرى.

تعزيز القوة العسكرية: النووية والتقليدية

شهدت كوريا الشمالية خلال السنوات الماضية تطوير واختبار العديد من الأسلحة التي طالب بها كيم في عام 2021، بما في ذلك الصواريخ الباليستية العابرة للقارات التي تعمل بالوقود الصلب وأنظمة نووية تكتيكية. كما أطلقت البلاد أول قمر صناعي عسكري لها في عام 2023، وأعلنت مؤخراً عن تقدم في بناء قمر صناعي غواصة يعمل بالطاقة النووية.

بعد إعطاء الأولوية للأسلحة النووية والصاروخية، يركز كيم الآن بشكل أكبر على الأنظمة التقليدية، بما في ذلك إطلاق سفن حربية جديدة، وتطوير أسلحة مضادة للطائرات وطائرات هجومية بدون طيار. كما تهدف الخطط الأوسع إلى دمج القوات النووية والتقليدية. تشير تصريحات كيم الأخيرة إلى أنه سيستغل المؤتمر للتأكيد على التطوير المتوازي لهذه الأنظمة ضمن خطة خمسية منفصلة للتطوير العسكري.

الدروس المستفادة من أوكرانيا

ربما يستخلص كيم الدروس من تورط كوريا الشمالية في الصراع في أوكرانيا، والذي تحول إلى حرب استنزاف تقليدية، حيث تجنبت روسيا استخدام الأسلحة النووية. ويرى الخبراء أن القوات التقليدية قد تصبح مجالاً رئيسياً للتعاون مع روسيا، مثل تحسين أنظمة الدفاع الجوي القديمة في كوريا الشمالية.

وقد اعتمدت كوريا الشمالية بالفعل عقيدة نووية تصعيدية تسمح بتوجيه ضربات استباقية إذا اعتبرت القيادة مهددة. يهدف كيم، من خلال الضغط من أجل دمج القوات التقليدية والنووية، إلى طمس الخط الفاصل بينهما والإشارة إلى عتبة أقل للاستخدام النووي، مما يزيد من التهديد الذي تواجهه كوريا الجنوبية.

الحفاظ على المسافة من سيول وواشنطن

تجنب كيم المحادثات مع كوريا الجنوبية منذ عام 2019، عندما انهارت دبلوماسيته مع ترامب بسبب العقوبات الأمريكية. وتدهورت العلاقات بعد أن تخلى كيم في عام 2024 عن هدف كوريا الشمالية طويل الأمد المتمثل في التوحيد السلمي، وأعلن أن سيول عدو دائم.

من المرجح أن يرسخ كيم موقفه المتشدد تجاه الجنوب في المؤتمر، ربما عن طريق إصدار تعليمات بإجراء تغييرات على قواعد الحزب لتدوين العلاقات بين الكوريتين باعتبارها علاقات بين “دولتين معاديتين”. في حين أن الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ يرغب في الحوار، فمن غير المرجح أن يتغير موقف كيم تجاه سيول في أي وقت قريب.

بوضوح، لم يعد كيم ينظر إلى سيول كوسيط مفيد مع واشنطن، بل كعقبة أمام جهوده للقيام بدور أكثر حزماً في الشؤون العالمية. وقد أظهر أيضاً حساسية تجاه التأثير الثقافي لكوريا الجنوبية، وكثف حملة للقضاء على نفوذ الثقافة الكورية الجنوبية في الداخل لتعزيز حكم عائلته.

الموازنة مع واشنطن

ربما يتخذ كيم نهجاً أكثر اعتدالاً تجاه واشنطن للحفاظ على إمكانية إجراء حوار مستقبلي، بهدف طويل المدى يتمثل في ضمان تخفيف العقوبات الأمريكية والاعتراف الضمني بكوريا الشمالية كدولة نووية. يقول بعض المحللين إنه بينما يعطي كيم الأولوية لروسيا، سيكون من المنطقي إبقاء خياراته مفتوحة، لأن حرب بوتين في أوكرانيا قد تنتهي، مما قد يقلل من قيمة كوريا الشمالية بالنسبة لموسكو.

خلاصة: لمحات عن المستقبل

يُعد هذا المؤتمر الحزبي حدثاً مفصلياً يعكس أولويات كيم جونغ أون وطموحاته. فبينما يتحدث عن تحسن اقتصادي وتعزيز مكانة إقليمية، يعكس التركيز على الأسلحة النووية والتقليدية، مع استراتيجية واضحة للحفاظ على المسافة من خصوم الأمس، رؤية لمستقبل كوريا الشمالية في عالم متغير. يبقى تقييم النجاح الفعلي لسياسات كيم مرهوناً بتطور الأوضاع الاقتصادية والدبلوماسية على الساحة الدولية.

شاركها.