في أعقاب العملية العسكرية الأخيرة التي نفذتها الولايات المتحدة في فنزويلا، شهدت وسائل الإعلام موقفاً نادراً من إدارة ترامب: عبارة “شكراً”. هذا الاعتراف، الذي أتى على لسان وزير الخارجية ماركو روبيو، موجه إلى المؤسسات الإخبارية التي كانت على علم مسبق بالعملية، ولكنها التزمت بعدم نشر التفاصيل حفاظاً على أمنها ونجاحها. هذا الحدث يثير تساؤلات حول العلاقة المعقدة بين الحكومة، الصحافة، والحاجة إلى الموازنة بين الحق في المعرفة والسلامة الوطنية.

العملية في فنزويلا: تعاون غير معلن بين الحكومة والصحافة

أشاد روبيو بمسؤولية الصحفيين في التعامل مع هذه المعلومات الحساسة، وهو الأمر الذي يبدو مفاجئًا بالنظر إلى التوتر الأخير بين وزارة الدفاع (الپنتاغون) ووسائل الإعلام. فقد أشارت قيود جديدة فرضها البنتاغون على الصحفيين إلى عدم ثقته في قدرتهم على التعامل بمسؤولية مع المعلومات السرية. ومع ذلك، في هذه الحالة، يبدو أن بعض المؤسسات الإخبارية أظهرت احترافية عالية.

وقال روبيو في برنامج “هذا الأسبوع” على قناة ABC: “لقد علم عدد من وسائل الإعلام بالعملية، ولذلك قمنا بحجب المعلومات عن الكونجرس في البداية، خشية التسريب”. وأضاف: “بصراحة، نحن ممتنون لالتزامهم الصمت، وإلا ربما فقدنا أرواحًا أمريكية”. هذا التصريح يؤكد أن الحفاظ على سرية العملية كان له الأولوية القصوى، وأن التقييم الأولي لم يكن يضمن قدرة الصحافة على الحفاظ على هذا السر.

دور الصحافة في حماية الأمن القومي

أفادت تقارير صحفية، نقلتها سيمافور، أن كلًا من صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست كانتا على علم مسبق بالعملية، لكنهما اختارتا عدم النشر تجنباً لأي خطر قد يهدد حياة الجنود الأمريكيين. ورغم رفض ممثلي الصحيفين التعليق على هذه المعلومات، إلا أن دانا بريست، مراسلة شؤون الأمن القومي في واشنطن بوست، أكدت أن حجب المعلومات حول العمليات العسكرية المخطط لها هو إجراء روتيني تتبعه المؤسسات الإخبارية.

وأضافت بريست أن الصحف تسأل السلطات الحكومية بشكل روتيني بعد وقوع الأحداث عما إذا كان الكشف عن تفاصيل معينة يمكن أن يعرض حياة الأفراد للخطر. وهذا يعكس التزام الصحافة، رغم دورها الرقابي، بالموازنة بين الحق في الإخبار وحماية الأمن القومي. هذه الموازنة الدقيقة هي جوهر التغطية الإعلامية للأخبار العاجلة، خاصة تلك المتعلقة بالعمليات العسكرية.

تاريخ من التنسيق والاحترازات

هذا ليس أول حادثة من نوعها في تاريخ العلاقة بين الحكومة ووسائل الإعلام، خاصة في القضايا الحساسة المتعلقة بالأمن القومي. فقد سبق للرئيس جون ف. كينيدي أن طلب من صحيفة التايمز عدم نشر تقارير حول هجوم مدعوم من الولايات المتحدة ضد قوات فيدل كاسترو في خليج الخنازير، خوفاً من إفشال العملية. وبالفعل، نجحت الصحيفة في كتم المعلومات حتى وفور اكتمال العملية، لكنها انتهت بالفشل الذريع، وهو ما دفع كينيدي إلى الاعتراف بأنه كان يجب أن تنشر الصحيفة المعلومة في وقت أبكر.

وفي حادثة أخرى، عندما تمكن الصحفي جيفري غولدبرغ من مجلة أتلانتيك بشكل غير مقصود من الدخول إلى سلسلة رسائل نصية تتضمن معلومات حول هجوم عسكري في اليمن، التزم غولدبرغ بعدم نشر التفاصيل حتى خروج الموظفين الأمريكيين من منطقة الخطر وتم التأكد من صحة المعلومات بدقة. هذه الأمثلة توضح أن الصحافة الاستقصائية لا تتعارض دائماً مع الأمن القومي، وأن هناك حالات تتطلب فيها الصحافة ممارسة أعلى درجات الحذر والمسؤولية.

قيود البنتاغون والجدل حول حرية الصحافة

في العام الماضي، أثارت قيود جديدة فرضها البنتاغون على تحركات وتقارير المراسلين العسكريين جدلاً واسعاً. مارتين هيجسيث، وزير الدفاع، دافع عن هذه القيود، مؤكداً أن لدى البنتاغون “توقعات بأن المراسلين لن يطلبوا معلومات سرية أو حساسة”. وردت صحيفة التايمز برفع دعوى قضائية تهدف إلى إلغاء هذه القواعد.

هذه القضية تسلط الضوء على التوتر المستمر بين حق الصحافة في الوصول إلى المعلومات، والحاجة إلى حماية المعلومات التي يمكن أن تعرض حياة الأفراد أو الأمن القومي للخطر. القرارات المتعلقة بنشر مثل هذه المعلومات غالبًا ما تتطلب مناقشات مكثفة بين المحررين والمسؤولين الحكوميين.

المسؤولية الصحفية: بين الإحراج والحياة

ترى دانا بريست أن القرار النهائي بشأن نشر المعلومات يقع على عاتق المؤسسة الإخبارية في بلد يتمتع بحرية الصحافة. وتشدد على أن هناك فرقًا كبيرًا بين المعلومات التي يمكن أن تعرض حياة شخص ما للخطر، وتلك التي قد تكون محرجة للإدارة. في حالة العملية في فنزويلا، يبدو أن المؤسسات الإخبارية قد اتخذت قرارًا واعيًا بوضع سلامة الجنود الأمريكيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وتؤكد بريست أن الصحفيين سيواصلون عملهم بجدية أكبر حتى في ظل القيود، وأن مهمتهم الأساسية هي إبلاغ الجمهور بالمعلومات، وليس كسب ود الإدارة. وهذا يعكس التزام الصحافة بمسؤوليتها الديمقراطية، ورفضها للانصياع لأي محاولات للرقابة الإعلامية.

ختاماً، تُظهر هذه القصة أن العلاقة بين الحكومة ووسائل الإعلام ليست دائمًا علاقة صراع. ففي بعض الحالات، يمكن أن يكون هناك تعاون غير معلن يهدف إلى حماية الأمن القومي وضمان سلامة الأفراد. ومع ذلك، من الضروري دائمًا الحفاظ على التوازن الدقيق بين الحق في المعرفة والحاجة إلى السرية، وتأكيد أن حرية الصحافة هي حجر الزاوية في أي نظام ديمقراطي.

شاركها.