تعتبر جودة مياه الشرب من أهم مقومات الصحة العامة، وفي هذا السياق، تتخذ وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) خطوات جديدة لتنظيم مادة بيركلورات في مياه الشرب، على الرغم من تحفظاتها حول مدى فعالية هذا التنظيم في تحسين الصحة العامة بشكل كبير. هذه القضية المعقدة، المتعلقة بمادة كيميائية تستخدم في صناعة الصواريخ والمتفجرات، أثارت جدلاً طويلاً وتستدعي فهمًا دقيقًا للحقائق والتطورات.

ما هي مادة البيركلورات ومخاطرها؟

مادة بيركلورات هي مادة كيميائية تدخل في تركيب الوقود الصلب للصواريخ والألعاب النارية وبعض المتفجرات. وعلى الرغم من استخداماتها الصناعية، يمكن أن تتواجد بشكل طبيعي في البيئة، خاصة في المناطق القاحلة. تكمن المشكلة في تسرب هذه المادة إلى المياه الجوفية من مواقع الدفاع والفضاء والتصنيع، مما يؤثر على مصادر مياه الشرب.

تعتبر البيركلورات خطيرة بشكل خاص على الرضع والأطفال الصغار، لأنها تتداخل مع وظيفة الغدة الدرقية. هذه التدخلات قد تؤدي إلى مشاكل في النمو والتطور، بالإضافة إلى انخفاض مستويات الذكاء وزيادة مخاطر المشاكل السلوكية. تشير التقديرات إلى أن حوالي 16 مليون شخص في الولايات المتحدة قد يتعرضون لمستويات من البيركلورات في مياه الشرب.

تاريخ التنظيم المطول للبيركلورات

في عام 2011، اعترفت وكالة حماية البيئة بأن البيركلورات تمثل تهديدًا كافيًا للصحة العامة يستدعي تنظيمها. ويتطلب قانون مياه الشرب الآمنة من الوكالة اقتراح لوائح نهائية في غضون عامين. لكن هذا لم يحدث.

بدلاً من ذلك، قامت الوكالة بتحديث الأبحاث العلمية لتقييم المخاطر المرتبطة بالبيركلورات بشكل أفضل، وهي عملية استغرقت وقتًا طويلاً. في عام 2016، اضطرت الوكالة إلى مواجهة دعوى قضائية من مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية (NRDC) للحث على اتخاذ إجراء.

مقترحات الوكالة الأخيرة والاعتراضات

اقترحت وكالة حماية البيئة في النهاية وضع حدود لمادة بيركلورات في مياه الشرب، لكنها في الوقت نفسه أعربت عن اعتقادها بأن الفوائد الصحية من هذا التنظيم ستكون محدودة. وذكرت الوكالة أن غالبية أنظمة المياه، والتي يبلغ عددها حوالي 66000 نظام، ستتكبد تكاليف إدارية واختبارية كبيرة دون تحقيق تحسينات كبيرة في الصحة العامة.

بالإضافة إلى ذلك، أكدت الوكالة أن البيانات الحالية تشير إلى أن البيركلورات ليست منتشرة على نطاق واسع في مياه الشرب، وأن أقل من عُشر 1% من أنظمة المياه قد تتجاوز الحدود المقترحة. هذا الموقف يثير تساؤلات حول أولويات الوكالة ومدى التزامها بحماية الصحة العامة.

رد فعل مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية

انتقد مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية (NRDC) بشدة موقف وكالة حماية البيئة. واعتبرت سارة فورت، المحامية البارزة في المجلس، أنه من حق الجمهور معرفة ما إذا كانت مياه الشرب الخاصة بهم ملوثة بمادة بيركلورات، وأعربت عن ارتياحها لخطوة الوكالة، وإن كانت متأخرة.

ومع ذلك، حذرت فورت من أن مستوى 20 جزءًا في المليار، وهو أحد الحدود المقترحة، قد يكون غير كاف لحماية صحة الأجنة والرضع، الذين يعتبرون الأكثر عرضة للمخاطر المرتبطة بهذه المادة الكيميائية السامة. تطالب المنظمة بمعايير أكثر صرامة لضمان سلامة مياه الشرب.

قضية PFAS والمقارنة مع البيركلورات

من الجدير بالذكر أن قرار وكالة حماية البيئة بشأن البيركلورات يأتي في سياق أوسع من القضايا المتعلقة بتلوث المياه. ففي الوقت الحالي، تواجه الوكالة ضغوطًا متزايدة لتنظيم المواد الكيميائية المشبعة بالفلور (PFAS) – والمعروفة باسم “المواد الكيميائية الأبدية” – والتي تلوث مصادر المياه في جميع أنحاء البلاد.

على عكس البيركلورات، قررت وكالة حماية البيئة الحفاظ على القيود الصارمة التي فرضتها إدارة بايدن على بعض أنواع PFAS الأكثر ضررًا، مع منح المرافق مزيدًا من الوقت للامتثال. هذا الاختلاف في التعامل مع PFAS والبيركلورات يثير تساؤلات حول المعايير التي تستخدمها الوكالة لتقييم المخاطر واتخاذ القرارات.

مستقبل تنظيم البيركلورات

ستطلب وكالة حماية البيئة الآن تعليقات عامة حول الحدود المقترحة (20، 40، و80 جزءًا في المليار) والعناصر الأخرى المتعلقة باللوائح المقترحة. من المتوقع أن تتلقى الوكالة ردود فعل متباينة من مختلف الأطراف المعنية، بما في ذلك شركات المياه، والمجموعات البيئية، والجمهور.

في النهاية، سيتعين على الوكالة الموازنة بين المخاوف الصحية وتكاليف التنفيذ، واتخاذ قرار يخدم المصلحة العامة. هذه القضية تسلط الضوء على التحديات المعقدة التي تواجه وكالات حماية البيئة في سعيها لتوفير مياه شرب آمنة ونظيفة للجميع. ورغم التردد الظاهر، فإن الخطوة نحو وضع حد لمادة بيركلورات تمثل اعترافًا بالخطر المحتمل وضرورة اتخاذ إجراء، حتى لو كان ذلك امتثالًا لأمر قضائي.

شاركها.