تقلبات الأسهم الأمريكية: بين أخبار الوظائف القوية ومخاوف رفع الفائدة
شهدت البورصات الأمريكية تقلبات حادة يوم الأربعاء، حيث تفاعل المستثمرون بشكل متناقض مع تقرير وظائف قوي بشكل مفاجئ أكد تحسن معدل البطالة في البلاد الشهر الماضي. بعد ارتفاع أولي نحو مستويات قياسية، تذبذب مؤشر S&P 500 بين المكاسب والخسائر، ليغلق في النهاية بانخفاض طفيف. كما انخفض مؤشر داو جونز الصناعي وناسداك المركب، ليستمحا المكاسب المبكرة. وفي الوقت نفسه، ظلت عوائد سندات الخزانة مرتفعة، مما يعكس التوقعات المتضاربة حول مسار السياسة النقدية.
بيانات الوظائف الأمريكية: دفعة للاقتصاد ومصدر قلق للمستثمرين
أعلنت وزارة العمل الأمريكية أن أصحاب العمل أضافوا 130 ألف وظيفة إلى قوائم الرواتب الشهر الماضي، وهو رقم فاق توقعات الاقتصاديين. ساهم هذا التقرير في تبديد المخاوف التي سادت في اليوم السابق عقب صدور بيانات محبطة أشارت إلى تباطؤ محتمل في إنفاق الأسر الأمريكية، وهو المحرك الرئيسي للاقتصاد.
من ناحية، فإن البيانات القوية حول الوظائف تثير الآمال في أن يتمتع الاقتصاد الأمريكي بالقوة الكافية لمواصلة تحقيق أرباح كبيرة للشركات. ويتجلى هذا في الارتفاع الذي شهدته أسهم قطاعات الطاقة والمواد الخام، التي غالباً ما ترتبط أرباحها بشكل وثيق بصحة الاقتصاد العام. على سبيل المثال، قفز سهم إكسون موبيل بنسبة 2.6%. وعلى الرغم من إعلان شركة التعبئة والتغليف Smurfit Westrock عن أرباح أضعف في الربع الأخير مما توقعه المحللون، إلا أن أسهمها ارتفعت بنسبة 9.9% بعد تقديم أهداف مالية للسنوات الخمس المقبلة وجدت استحساناً لدى البعض.
تأثير التقارير الاقتصادية على الأسهم
لكن من ناحية أخرى، يمكن لبيانات الوظائف الأقوى من المتوقع أن تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى تأجيل قرارات خفض أسعار الفائدة. وقد تؤثر أسعار الفائدة المرتفعة سلباً على تقييمات الأسهم وجميع أنواع الاستثمارات الأخرى.
بعد صدور تقرير يوم الأربعاء الذي أظهر انخفاض معدل البطالة في الولايات المتحدة، تراجع المتداولون عن رهاناتهم بشأن الوقت الذي يمكن أن يبدأ فيه بنك الاحتياطي الفيدرالي في خفض أسعار الفائدة. وتراجعت هذه الرهانات أكثر نحو فصل الصيف، بعد أن كان من المتوقع في البداية قبيل تولي رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي الجديد مهامه.
تأثير السياسة النقدية على الأسواق
إذا كان تقرير الوظائف يوم الأربعاء قد أظهر ارتفاعاً في معدل البطالة أو تفاقماً لسوق العمل، لكان من الممكن أن يدفع ذلك بنك الاحتياطي الفيدرالي إلى استئناف خفض أسعار الفائدة بسرعة أكبر. ومن شأن انخفاض أسعار الفائدة أن يعطي دفعة للاقتصاد والأسواق المالية، على الرغم من خطر تفاقم التضخم. وسيكون التحديث الشهري التالي حول التضخم على مستوى المستهلك الأمريكي، المقرر صدوره يوم الجمعة، محورياً في تحديد خطط بنك الاحتياطي الفيدرالي.
بعد تقرير الوظائف، ارتفع العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى 4.17% من 4.16% في ختام تعاملات الثلاثاء. كما ارتفعت عائدات سندات الخزانة لأجل عامين، والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتوقعات تحركات بنك الاحتياطي الفيدرالي، بشكل أكبر لتصل إلى 3.51% من 3.45%.
تحديات وتوقعات الاقتصاد الأمريكي
لا يزال المشهد الاقتصادي الأمريكي غير واضح تماماً. ففي حين أظهر التقرير الأخير تحسناً في معدل البطالة، فقد تضمن أيضاً مراجعات رئيسية للبيانات السابقة. فقد أفادت المراجعات أن أصحاب العمل أضافوا 181 ألف وظيفة فقط طوال العام الماضي، وهو ما يقل عن ثلث الرقم الذي تم الإبلاغ عنه سابقاً (584 ألف وظيفة)، ويمثل أضعف نسبة زيادة سنوية منذ عام 2020، عندما أدى الوباء إلى شلل الاقتصاد.
ومع ذلك، يبدو تقرير الوظائف الإجمالي بمثابة إشارة مشجعة للاقتصاد. وكما علق بريان جاكوبسن، كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين في Annex Wealth Management، بشأن تخفيضات عام 2025: “كنا نعلم جميعاً أنه ستكون هناك مراجعات هبوطية، لكنها كانت أفضل من المتوقع”.
أداء القطاعات والشركات الفردية
في وول ستريت، انخفض سهم Robinhood Markets بنسبة 8.8% على الرغم من تحقيق التطبيق لأرباح أقوى في الربع الأخير مما توقعه المحللون. ولكن جاءت إيراداته أقل من التوقعات، وأشار المحللون إلى توقعات Robinhood للنفقات في عام 2026، بالإضافة إلى المخاوف بشأن استمرار التباطؤ في تداول العملات المشفرة. وقد شهدت أسعار العملات المشفرة انخفاضاً مؤخراً، حيث اقترب سعر البيتكوين من 67 ألف دولار يوم الأربعاء، فاقداً ما يقرب من نصف قيمته منذ تسجيله رقماً قياسياً في أكتوبر.
كما انخفض سهم شركة موديرنا بنسبة 3.5% بعد أن أعلنت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عن رفضها النظر في طلب الشركة للحصول على لقاح جديد للأنفلونزا بتقنية mRNA. ويُعد هذا أحدث مؤشر على تشديد الرقابة من قبل إدارة الغذاء والدواء على اللقاحات.
وفي المقابل، تعافت شركة كرافت هاينز من خسارة مبكرة وارتفعت أسهمها بنسبة 0.4% بعد أن صرح الرئيس التنفيذي ستيف كاهيلان بأن الشركة ستتوقف مؤقتاً عن خطتها للانقسام إلى شركتين، بينما يسعى لإعادة الشركة إلى مسار النمو المربح. وأعلن أيضاً عن استثمار بقيمة 600 مليون دولار في مجالات التسويق والمبيعات والبحث والتطوير.
نظرة ختامية على الأسواق العالمية
وفي ختام تعاملات الأربعاء، انخفض مؤشر S&P 500 بمقدار 0.34 نقطة ليغلق عند 6941.47 نقطة. كما انخفض مؤشر داو جونز الصناعي بمقدار 66.74 نقطة ليصل إلى 50121.40، وانخفض مؤشر ناسداك المركب بمقدار 36.01 نقطة ليغلق عند 23066.47.
وفي الأسواق الخارجية، كانت المؤشرات متباينة في أوروبا بعد أداء أفضل في آسيا. ارتفع مؤشر FTSE 100 في المملكة المتحدة بنسبة 1.1%، وارتفع مؤشر Kospi في كوريا الجنوبية بنسبة 1%.
لا تزال أسعار الأسهم الأمريكية تتأثر بالبيانات الاقتصادية المتضاربة، وفي ظل الترقب لخطوات الاحتياطي الفيدرالي، يبقى المستثمرون على أعصابهم. تابعوا آخر التحليلات والتحديثات لفهم أعمق للتحركات السوقية.
