وقف إطلاق النار في الرقة: تحول كبير في المشهد السوري

أعلنت الحكومة السورية يوم الأحد عن وقف لإطلاق النار مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مما يمثل تطوراً كبيراً نحو استعادة السيطرة الحكومية على معظم الأراضي السورية، بما في ذلك محافظة الرقة التي كانت معقلاً رئيسياً لقسد لأكثر من عقد. يأتي هذا الإعلان في أعقاب تصاعد التوترات بين الطرفين وتقدم ملحوظ للقوات الحكومية في الشرق السوري، مما أدى إلى تغييرات جذرية في خريطة النفوذ في البلاد. هذا الاتفاق يثير تساؤلات حول مستقبل الأكراد في سوريا، ومستقبل التحالف الدولي ضد داعش، ودور القوى الإقليمية والدولية في هذا الصراع المعقد.

تطورات الأيام الأخيرة وتقدم القوات الحكومية

شهدت الأيام التي سبقت الإعلان عن وقف إطلاق النار اشتباكات متزايدة بين القوات الحكومية وقسد، خاصة في ريف حلب الشرقي. بدت قوات سوريا الديمقراطية في موقف دفاعي، حيث اضطرت إلى التراجع أمام الضغط العسكري المتزايد. هذا التراجع سمح للقوات الحكومية بالسيطرة على بلدات استراتيجية في محافظة الرقة ومحافظة دير الزور، وهما منطقتان غنيتان بالنفط والغاز، وتحتويان على سدود حيوية على نهر الفرات، بالإضافة إلى معابر حدودية مهمة.

اتهامات متبادلة وتصعيد للتوتر

تصاعدت حدة التوتر مع اتهامات متبادلة بين الطرفين. اتهمت الحكومة السورية قوات سوريا الديمقراطية بإعدام سجناء في مدينة الطبقة قبل انسحابها، وهو ما نفته قسد بشدة، واتهمت بدورها القوات الحكومية بقصف السجن. هذه الاتهامات زادت من تعقيد الوضع وأدت إلى مزيد من التصعيد العسكري.

تفاصيل الاتفاق و ردود الفعل الأولية

تم التوقيع على الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد برعاية أمريكية، حيث حضر المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا توم باراك مراسم التوقيع. ينص الاتفاق على دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، وتسليم السيطرة على محافظتي الرقة ودير الزور للحكومة، بالإضافة إلى المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز. كما يتضمن الاتفاق تسليم السجون والمخيمات التي تضم آلاف المعتقلين من تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وعائلاتهم إلى السلطات السورية.

زعيم قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، أكد الاتفاق في بيان فيديو، مشيراً إلى أن المجموعة قبلت الاتفاق “لوقف إراقة الدماء”. وأضاف أنه سيتم شرح تفاصيل الاتفاق للشعب في الأيام المقبلة. من جانبه، أشاد الرئيس السوري أحمد الشرع بالاتفاق ووصفه بأنه “انتصار لجميع السوريين”.

موقف القوى الإقليمية والدولية

يعتبر هذا الاتفاق تحولاً استراتيجياً في سوريا، وله تداعيات كبيرة على القوى الإقليمية والدولية. الولايات المتحدة، التي تعتبر قسد حليفاً رئيسياً في مكافحة الإرهاب، أبدت دعمها للاتفاق، معربة عن أملها في أن يؤدي إلى “تجديد الحوار والتعاون نحو سوريا موحدة”.

ومع ذلك، يثير هذا الاتفاق قلقاً لدى بعض الأطراف، خاصة تركيا التي تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية (الوحدات التي تشكل العمود الفقري لقسد) امتداداً لحزب العمال الكردستاني (بي كي كي) الذي تعتبره أنقرة منظمة إرهابية. من المرجح أن تسعى تركيا إلى ضمان عدم تهديد الأكراد لأمنها القومي في إطار هذا الاتفاق.

مستقبل الأكراد في سوريا و التحديات القادمة

يثير الاتفاق تساؤلات حول مستقبل الأكراد في سوريا، خاصة في ظل عدم وجود ضمانات واضحة بشأن حقوقهم السياسية والثقافية. على الرغم من تأكيدات الحكومة السورية على احترام الحقوق الكردية، إلا أن هناك مخاوف من أن يتم تهميش الأكراد أو تعرضهم للاضطهاد في المستقبل.

تحديات التنفيذ و الاستقرار

بالإضافة إلى ذلك، يواجه الاتفاق العديد من التحديات في التنفيذ. يتعين على الحكومة السورية دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، وهو ما قد يكون صعباً بسبب الاختلافات في الأيديولوجيات والتدريب والتسليح. كما يتطلب الاتفاق معالجة قضايا معقدة مثل مصير المعتقلين في السجون التي تديرها قسد، وإعادة إعمار المناطق التي دمرتها الحرب. تحقيق الاستقرار في سوريا يتطلب أيضاً معالجة الأسباب الجذرية للصراع، مثل الفقر والبطالة والتهميش السياسي.

الرقة: من عاصمة داعش إلى نقطة تحول

تعتبر الرقة رمزاً للصراع في سوريا. فبعد أن كانت عاصمة لتنظيم داعش، تم تحريرها من قبل قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي في عام 2017. الآن، وبعد مرور سنوات، تعود الرقة إلى سيطرة الحكومة السورية، مما يمثل نقطة تحول جديدة في تاريخ المدينة. مستقبل الرقة يعتمد على قدرة الحكومة السورية على توفير الأمن والخدمات الأساسية للسكان، وإعادة إعمار المدينة، وتحقيق المصالحة الوطنية.

في الختام، يمثل اتفاق وقف إطلاق النار في الرقة ودمج قسد في الجيش السوري تطوراً هاماً في المشهد السوري. على الرغم من التحديات التي تواجه تنفيذه، إلا أنه يفتح الباب أمام فرصة جديدة لتحقيق السلام والاستقرار في سوريا، وإعادة بناء البلاد بعد سنوات من الحرب والدمار. يبقى أن نرى كيف ستتطور الأمور في الأيام والأسابيع القادمة، وما إذا كان هذا الاتفاق سيؤدي بالفعل إلى تحقيق الأهداف المرجوة.

شاركها.