في حي بالمر بارك التاريخي بمدينة ديترويت، تتكشف قصة مقلقة عن الإهمال المالي والتدهور العقاري. فقد أدت ممارسات المقامرة العقارية من قبل شركة “المجتمعات الحضرية” (Urban Communities) إلى وضع كارثي، حيث أصبحت أكثر من ثلث العقارات السكنية في الحي مهجورة أو على وشك الانهيار. هذا الوضع يهدد ليس فقط بقاء الحي، بل ويقوض تراثه المعماري الفريد. تتناول هذه المقالة تفاصيل هذه الأزمة، وأسبابها، وتداعياتها المحتملة، وجهود استعادة الوضع.
انهيار “المجتمعات الحضرية” وتأثيره على بالمر بارك
بدأت “المجتمعات الحضرية”، وهي شركة مقرها فينيكس، في الاستثمار في حي بالمر بارك في عام 2020، مستهدفةً شراء المباني السكنية متعددة الأسر. سرعان ما استحوذت الشركة على 21 مبنى، لكن سوء الإدارة وسلسلة من المشاكل المالية أدت إلى تدهور سريع في حالة هذه العقارات. اليوم، جميع المباني الـ 21 إما تحت الحراسة القضائية، أو محجوزة الرهن، أو في حالة من الإهمال الشديد.
المشكلة ليست مجرد عدد المباني المتضررة، بل هي أيضًا حالة هذه المباني. تقارير التفتيش تكشف عن أضرار جسيمة، مثل الأسلاك الكهربائية المسروقة، وأضرار المياه، والحرائق، بالإضافة إلى مشاكل هيكلية تهدد سلامة السكان. محاولات مقاطعة واين لبيع خمسة من هذه المباني في مزاد خاص باءت بالفشل، حيث لم يتقدم أي مشترٍ لعقارات تعاني من هذا القدر من التدهور.
أسباب الانهيار: مزيج من التحديات
يعزو المحامي إدوارد لينون، الذي يمثل “المجتمعات الحضرية”، أسباب الانهيار إلى عدة عوامل، منها ارتفاع تكاليف البناء، وزيادة معدلات الجريمة في المنطقة، ورفض المحكمة الجزئية السادسة والثلاثين تنفيذ عمليات الإخلاء لعدم الدفع. كما أن سوق الإيجارات في ديترويت يواجه تحديات خاصة، مما أثر على قدرة الشركة على تحقيق إيرادات كافية.
إلا أن التحقيق يكشف عن أن المشكلة أعمق من ذلك. يبدو أن “المجتمعات الحضرية” دخلت سوق العقارات في ديترويت دون خطة واضحة أو إدارة فعالة. شهدت المباني ارتفاعًا في معدلات الشواغر، وتراكمت مشاكل الصيانة، وتأخرت سداد الفواتير. بعد أشهر قليلة من الاستحواذ على العقارات، بدأت الشركة في التخلف عن سداد أقساط الرهن العقاري.
معاناة المستأجرين: قصص من الإهمال
يعكس وضع المستأجرين في مباني “المجتمعات الحضرية” مدى الإهمال الذي طال هذه العقارات. دايتون مارتنديل، أحد المستأجرين السابقين، يروي تجربته في العيش في شقة بدون موقد أو فرن يعمل، ورغم طلبات الصيانة المتكررة، لم يتم إصلاح الأعطال إلا بعد شهر. وعندما قام بحجب الإيجار بسبب عدم قدرته على الطهي، بدأت الشركة إجراءات الإخلاء ضده.
قصة إيما جريشاك لا تقل مأساوية، حيث كانت تعيش في شقة ذات باب خلفي مكسور ونوافذ محطمة، بالإضافة إلى انقطاع التدفئة والماء الساخن لفترة طويلة. لم يكن هناك أي اهتمام من إدارة المبنى بمعاناة المستأجرين أو بتحسين حالة العقار.
مستقبل بالمر بارك: جهود الإنقاذ والتحديات المستمرة
الوضع الحالي يثير قلقًا بالغًا بشأن مستقبل حي بالمر بارك. هذا الحي يتميز بكثافته المعمارية الفريدة وتنوع أساليبه، حيث يضم مباني من الطراز المغاربي، والآرت ديكو، والتصميم الحديث. يعتبره مؤرخو ديترويت “مجموعة فريدة من نوعها” لا توجد في أي مكان آخر في المدينة.
الخطوات التالية تتضمن بيع العقارات المتضررة. تم بيع عقار واحد بالفعل في فبراير، بينما تم بيع عقار آخر في مزاد في سبتمبر بمبلغ 35 ألف دولار. يخطط مكتب أمين الصندوق في مقاطعة واين لعقد مزاد آخر للعقارات الخمسة المتبقية.
على الرغم من أن المُقرض قد خصص مبلغًا “كبيرًا” من المال للتجديدات، إلا أن مستقبل الحي لا يزال غير مؤكد. هناك العديد من التحديات التي يجب التغلب عليها، بما في ذلك تكاليف الإصلاح الباهظة، والحاجة إلى جذب مستثمرين جادين، وضمان حماية التراث المعماري الفريد للحي. الاستثمار العقاري في هذه المنطقة يتطلب رؤية طويلة الأمد والتزامًا حقيقيًا بإعادة إحياء هذا الحي التاريخي.
أهمية الحفاظ على التراث المعماري
بالمر بارك ليس مجرد مجموعة من المباني القديمة؛ إنه جزء حيوي من تاريخ ديترويت وثقافتها. يجب بذل كل الجهود الممكنة للحفاظ على هذا التراث المعماري الفريد للأجيال القادمة. تطوير العقارات في هذه المنطقة يجب أن يتم بطريقة تحترم تاريخ الحي وتساهم في إحياءه. كما أن إعادة تأهيل المباني القديمة يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل جديدة.
الخلاصة
انهيار “المجتمعات الحضرية” في بالمر بارك هو قصة تحذيرية حول مخاطر الإدارة السيئة والممارسات المالية غير المسؤولة في سوق العقارات. يتطلب الوضع الحالي تدخلًا عاجلاً وجهودًا متضافرة من جميع الأطراف المعنية لإنقاذ هذا الحي التاريخي وحماية تراثه المعماري الفريد. من خلال الاستثمار الذكي والتخطيط الدقيق والالتزام بالحفاظ على التراث، يمكن لبالمر بارك أن يستعيد مجده السابق وأن يصبح نموذجًا يحتذى به لإعادة إحياء الأحياء التاريخية في ديترويت وخارجها.
