تحول فيتنام الصناعي: باك نينه نموذجًا للطموح والتحديات

تتجلى ديناميكية التحول الاقتصادي في فيتنام بشكل واضح في مدينة باك نينه، شمال هانوي. فبين اللافتات التي تعلن عن شركات صينية وكورية، وأطباق المأكولات الآسيوية الحارة التي تعكس التنوع السكاني، تحولت هذه المدينة التي كانت تعرف بحقول الأرز وقصص الحب التقليدية إلى مركز صناعي صاخب يجذب الاستثمارات الأجنبية بوتيرة متسارعة. هذا التحول يُعد مؤشرًا على الطموحات الفيتنامية في أن تصبح قوة تصنيعية عالمية، ولكنه أيضًا يكشف عن التحديات التي تواجهها في سبيل تحقيق هذا الهدف. الاستثمار الأجنبي في فيتنام أصبح القصة الأبرز في السنوات الأخيرة، مدفوعًا بشكل كبير بالتوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين.

باك نينه: من حقول الأرز إلى مصنع العالم

لم تكن باك نينه دائمًا مركزًا صناعيًا. بدأت مسيرة التحول الحقيقية في عام 2008، عندما قررت شركة سامسونج بناء أول مصنع لها للهواتف المحمولة في المدينة. هذا الاستثمار الضخم لم يحول باك نينه فحسب، بل وضع فيتنام على الخريطة العالمية كقاعدة تصنيعية بديلة للصين. ومنذ ذلك الحين، تدفقت الشركات الصينية على المدينة، سعيًا لتنويع مواقع إنتاجها وتجنب الرسوم الجمركية الأمريكية المتزايدة.

توفر فيتنام مزايا تنافسية جذابة للشركات الصينية، بما في ذلك سلسلة التوريد المتنامية للإلكترونيات، والقوى العاملة الشابة والميسرة، والحكومات المحلية التي تقدم الدعم والتسهيلات. تلعب أيضًا دوراً هاماً شبكة من الوسطاء الناطقين باللغة الصينية في تسهيل الإجراءات البيروقراطية والخدمات اللوجستية للشركات المستثمرة. الاستفادة من هذه المزايا ساهمت في النمو الاقتصادي في فيتنام بشكل ملحوظ.

حدود النمو السريع: التحديات تواجه طموحات فيتنام

على الرغم من النجاح الذي حققته فيتنام في جذب الاستثمارات الأجنبية، إلا أن هناك تحديات كبيرة تواجهها في الحفاظ على هذا الزخم. ارتفاع تكاليف العمالة ونقص العمالة الماهرة هما من أبرز هذه التحديات. بالإضافة إلى ذلك، تعاني البنية التحتية في فيتنام من قصور في بعض المناطق، مما يؤثر على كفاءة العمليات اللوجستية وسلاسل التوريد.

تدرك فيتنام أنها لا تستطيع أن تحل محل الصين كورشة عمل للعالم بالكامل، نظرًا للفارق الكبير في حجم الاقتصاد. لذلك، تركز الحكومة على تطوير البنية التحتية، بما في ذلك بناء طرق سريعة وخطوط سكك حديدية جديدة، لتحسين الربط اللوجستي وتسهيل حركة البضائع. تم البدء في توسيع المنطقة الصناعية في باك نينه في ديسمبر 2023، وهي خطوة تهدف إلى تعزيز القدرات التصنيعية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة مثل الإلكترونيات والأدوية والطاقة النظيفة، كجزء من خطة وطنية تشمل 234 مشروعًا رئيسيًا بتكلفة تزيد عن 129 مليار دولار.

منافسة إقليمية: فيتنام تتطلع إلى الصناعات ذات القيمة الأعلى

لا تقتصر المنافسة على التحديات الداخلية. تواجه فيتنام منافسة متزايدة من دول أخرى في المنطقة، مثل إندونيسيا والفلبين، التي تسعى أيضًا إلى جذب الاستثمارات الأجنبية. للتغلب على هذه المنافسة، تحاول فيتنام الانتقال إلى الصناعات التحويلية ذات القيمة الأعلى، وتوسيع أسواق التصدير لتنويع مصادر الدخل.

يشهد هذا التحول دلائل ملموسة في باك نينه، حيث تنتشر المتاجر التي تقدم خدمات للمستثمرين، وتتزايد أعداد مدارس اللغة الصينية التي تهدف إلى تسهيل التواصل بين الثقافات. ومع ذلك، فإن التكاليف المتزايدة تشكل عبئاً على الشركات الصينية، مما يدفعها إلى البحث عن بدائل أخرى، مثل الهند، كجزء من استراتيجية “الصين زائد واحد”.

مستقبل التصنيع في فيتنام: نظرة متفائلة بحذر

على الرغم من التحديات، لا يزال المستقبل يبدو واعدًا لفيتنام. فالبلد يحقق نموًا اقتصاديًا قويًا، ويتمتع بموقع استراتيجي في قلب جنوب شرق آسيا. يبلغ إجمالي الاستثمار الأجنبي التراكمي 28.5 مليار دولار حتى سبتمبر، بزيادة 15٪ عن العام الماضي. ومع ذلك، يجب أن تكون فيتنام حذرة وأن تأخذ في الاعتبار المخاطر المحتملة، مثل التدقيق المتزايد في دورها كمركز لعبور البضائع التي تتجنب الرسوم الجمركية. بعض الشركات تفضل الآن تنويع عملياتها من خلال الاستثمار في دول أخرى، مثل الهند والفلبين.

تسعى فيتنام إلى أن تصبح “نمرًا اقتصاديًا” جديدًا في آسيا، على غرار قوى التصدير مثل كوريا الجنوبية وتايوان. لتحقيق هذا الهدف، تقدم الحكومة حوافز للشركات، مثل الإعفاءات الضريبية والإيجارات المخفضة، وتعمل على تحديث البنية التحتية الصناعية. تسعى فيتنام أيضًا إلى تقليل اعتمادها على السوق الأمريكية، من خلال توسيع الصادرات إلى مناطق جديدة مثل الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأفريقيا.

في الختام، تمثل باك نينه قصة نجاح ملهمة لكيفية الاستفادة من الفرص الاقتصادية العالمية، ولكنها أيضًا تذكير بأن النمو السريع لا يخلو من التحديات. يتطلب تحقيق طموحات فيتنام في أن تصبح قوة تصنيعية عالمية استثمارات مستمرة في البنية التحتية، وتطوير القوى العاملة، وتنويع الأسواق، والتعامل بحذر مع المخاطر المحتملة. الاستثمار في البنية التحتية في فيتنام هو مفتاح الاستدامة والتقدم.

شاركها.