إضراب عام في الأرجنتين: صراع بين إصلاحات مايلي وحقوق العمال

شهدت الأرجنتين يوم الخميس إضرابًا عامًا واسع النطاق احتجاجًا على مشروع قانون إصلاح قانون العمل الذي طرحه الرئيس خافيير مايلي. وقد أدى هذا الإضراب، الذي شاركت فيه نقابات عمالية قوية، إلى تعطيل شبه كامل لوسائل النقل العام والمستشفيات والموانئ والمدارس في جميع أنحاء البلاد، مما يعكس عمق المواجهة بين الحكومة والنقابات. يهدف مايلي من خلال هذه الإصلاحات إلى جذب الاستثمار الأجنبي وزيادة الإنتاجية، بينما تخشى النقابات من تدهور حقوق العمال.

مشروع قانون العمل الجديد: موافقات وخلافات

بعد نقاشات محتدمة، وافق مجلس النواب في الكونجرس الأرجنتيني على مشروع قانون إصلاح قانون العمل بأغلبية 135 صوتًا مقابل 115. يمنح هذا القانون المقترح أصحاب العمل مرونة أكبر في مسائل التوظيف والفصل من الخدمة والمفاوضة الجماعية. وعلى الرغم من حصول التشريع على الدعم الأولي من مجلس الشيوخ الأسبوع الماضي، إلا أنه يتطلب تصويتًا نهائيًا للتصديق عليه.

وقد أجبرت الاحتجاجات الحكومة على إلغاء بند رئيسي كان يهدف إلى تخفيض رواتب العمال إلى النصف في حالات الإجازات المرضية أو الإصابات غير المرتبطة بالعمل. هذا التعديل يعكس حساسية القضية والتأثير الكبير للاحتجاجات على القرارات الحكومية.

تداعيات الإضراب على الحياة اليومية

تزامنت مناقشات مشروع القانون مع توقف شبه تام لوسائل النقل العام، حيث توقفت خطوط الحافلات ومترو الأنفاق. كما أوقفت المصانع الإنتاج مؤقتًا، وأغلقت البنوك أبوابها، وألغت شركات الطيران مئات الرحلات الجوية. وشهدت المستشفيات العامة إلغاء جميع العمليات غير الطارئة، بينما اصطفت القمامة في الشوارع ومناطق التسوق.

وشهد محيط الكونجرس أعمال عنف محدودة عندما أطلقت الشرطة خراطيم المياه على المتظاهرين الذين ردوا برشق الحجارة والزجاجات، مما اضطر النقابات اليسارية المتطرفة إلى تنظيم المسيرة.

رؤية الرئيس مايلي للإصلاحات

يرى الرئيس خافيير مايلي أن التغييرات المقترحة على قانون العمل، الذي لم يشهد تعديلات جوهرية منذ نصف قرن، ضرورية لتحفيز الاقتصاد الأرجنتيني. يهدف إلى معالجة مشكلة العمل غير الرسمي، حيث يعمل حوالي اثنين من كل خمسة عمال خارج الأنظمة الرسمية، وتشجيع الاستثمار الأجنبي، وزيادة الإنتاجية، وبالتالي خلق المزيد من فرص العمل.

ويجادل مايلي بأن قانون العمل الحالي متقادم ويشكل عبئًا على الشركات، مما يعيق النمو الاقتصادي.

تحفظات النقابات العمالية

تعتبر النقابات العمالية، التي يمثل كثير منها حوالي 40% من القوى العاملة المسجلة في الأرجنتين، أن مشروع القانون سيقوض حقوق العمال التي تم تحقيقها بشق الأنفس منذ أربعينيات القرن الماضي. وتتمتع العديد من هذه النقابات بعلاقات وثيقة تاريخيًا مع الحركة البيرونية.

وترى النقابات أن مشروع القانون يحد من الحق في الإضراب، ويقلل من قدرتها التفاوضية، ويسهل على الشركات تسريح العمال من خلال تمديد فترات الاختبار وتقييد حق العمال في مقاضاة أصحاب العمل عند الفصل.

تفاصيل الخلافات الرئيسية

  • قيود على الإضراب: يهدف مشروع القانون إلى تقييد حق العمال في الإضراب.
  • تسهيل الفصل: يسهل القانون على أصحاب العمل فصل الموظفين، خاصة عبر تمديد فترات الاختبار.
  • مكافآت نهاية الخدمة: يخفض التشريع من مكافآت نهاية الخدمة، والتي كانت تقليديًا مرتفعة في الأرجنتين.
  • ساعات العمل: يمكّن القانون أصحاب العمل من فرض 12 ساعة عمل في اليوم، مقارنة بـ 8 ساعات حاليًا.

مواجهة سابقة مع الإصلاحات العمالية

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها الحكومة الأرجنتينية مقاومة شديدة لإصلاحات قوانين العمل. فقد فشلت محاولات سابقة في تحديث النظام العمالي، الذي يعتبر على نطاق واسع من بين الأكثر تكلفة للشركات في أمريكا اللاتينية.

وقد أصدر الاتحاد العام للعمل (CGT)، أكبر مجموعة نقابية في الأرجنتين، بيانًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع صور للعاصمة الأرجنتينية وهي شبه مهجورة بسبب الإضراب، مؤكدًا: “يا أعضاء الكونجرس، اسمعوا هذه الرسالة: التصويت ضد الطبقة العاملة لا يأتي بدون عواقب”. وأضاف: “الوظائف ليست قابلة للتفاوض؛ والمكاسب التي تم تحقيقها بشق الأنفس ليست جوائز يانصيب يتم التبرع بها”.

رد الحكومة على الإضراب

في المقابل، أدان رئيس أركان مايلي والمتحدث باسم الحكومة، مانويل أدورني، الإضراب ووصفه بأنه “منحرف” و”ابتزازي” و”ضد الحرية والديمقراطية”. وقال لقناة بث محلية: “إذا قطعوا وسائل النقل الخاصة بك، بغض النظر عن مقدار رغبتك في الذهاب إلى العمل، فلن تتمكن من ذلك”.

ويأتي هذا الصدام العمالي في وقت تعاني فيه الأرجنتين من بطالة مستمرة وأجور راكدة ونمو بطيء، رغم نجاح حملة مايلي في تحقيق استقرار مالي جزئي وتقليل التضخم الجامح.

التحديات الاقتصادية والسياسية

انتقد النائب بابلو أوتيس نموذج مايلي الاقتصادي، مشيرًا إلى أن “نموذج مايلي يفشل. وتظهر عليه الشقوق”. وعلى الرغم من تأييده لمشروع قانون العمل، إلا أنه شدد على الحاجة إلى بنية تحتية قوية وطاقة مستدامة وتعليم جامعي متين لتحقيق النمو.

ويمثل هذا الإصلاح تحديًا كبيرًا لقوة مايلي السياسية، خاصة بعد فوز حزبه التحرري الجديد في انتخابات منتصف المدة العام الماضي. وقد تلقى دعماً قوياً من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي جدد تأييده لمايلي خلال اجتماع في واشنطن.

عقبة مجلس الشيوخ

يواجه التشريع عقبة أخيرة في مجلس الشيوخ الأسبوع المقبل. وتأمل حكومة مايلي في إنجاز هذا الإصلاح الذي فشلت فيه الحكومات الأرجنتينية السابقة. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأرجنتيني السابق فرناندو دي لا روا فشل في تمرير إصلاح مماثل عام 2000، بل واجه اتهامات بتقديم رشاوى لأعضاء مجلس الشيوخ.

في الختام، يعكس الإضراب العام في الأرجنتين الصراع العميق بين رؤية الرئيس مايلي للإصلاح الاقتصادي وسياسات النقابات العمالية الراسخة. يبقى الترقب سيد الموقف لمعرفة ما إذا كان مشروع قانون العمل سيصبح قانونًا نهائيًا، وما هي تداعياته على مستقبل العمل والاقتصاد الأرجنتيني.

شاركها.