تأتي صحة الإنسان على رأس الأولويات، ولا شك أن البحث العلمي هو الركيزة الأساسية لتحسين الرعاية الصحية وتطوير علاجات جديدة. ولكن، ما الذي يحدث عندما تتعرض هذه الأبحاث لتمويل محدود أو يتم إيقافها بشكل مفاجئ؟ هذا ما كشفه تقرير حديث لوكالة الأنباء الفرنسية (AFP)، حيث أشار إلى أن أكثر من 74,000 شخص مسجلين في التجارب السريرية تأثروا بتقلبات في تمويل المعاهد الوطنية للصحة (NIH) في الولايات المتحدة. هذه القضية تثير قلقًا بالغًا حول مستقبل البحث الطبي وتأثير ذلك على المرضى في جميع أنحاء العالم.

تأثير تخفيضات تمويل المعاهد الوطنية للصحة على الأبحاث الطبية

في الفترة بين نهاية فبراير ومنتصف أغسطس، شهدت 383 دراسة توقف التمويل، وكانت هذه الدراسات تركز على علاجات لأمراض حيوية مثل السرطان وأمراض القلب وأمراض الدماغ. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل امتد تأثير التخفيضات في التمويل ليشمل بشكل خاص الأبحاث المتعلقة بالأمراض المعدية، بما في ذلك الأنفلونزا والالتهاب الرئوي وحتى كوفيد-19، وهو ما يثير الدهشة في ظل الأهمية القصوى لهذه الأبحاث.

هذه التخفيضات ليست مجرد أرقام في ميزانية، بل لها تبعات حقيقية على حياة المرضى. قد يجد بعض المشاركين في الأبحاث الطبية أنفسهم أمام تجارب لم تبدأ أبدًا أو تأخرت بشكل كبير بسبب سعي المؤسسات البحثية لإيجاد مصادر تمويل بديلة. والأسوأ من ذلك، قد يفقد البعض الآخر إمكانية الحصول على الدواء أو العلاج الذي كانوا يعتمدون عليه، أو قد يضطرون للتعايش مع أجهزة طبية مزروعة دون مراقبة مستمرة.

تعطيل مسار الأمل: عواقب وخيمة للمرضى

هذه الإجراءات لا تعطل فقط سير العمل في المشاريع البحثية، بل تقوض أيضًا الأمل الذي يعقده المرضى في هذه الدراسات. هيذر بيرس، من رابطة كليات الطب الأمريكية، وصفت التعطيل الناتج عن هذه التخفيضات بأنه “عميق وكبير”.

يعتمد التقدم الطبي بشكل كبير على النتائج المستخلصة من التجارب الإكلينيكية. الأبحاث المهددة بالإيقاف لا تضر فقط بالمرضى المشاركين فيها، ولكنها أيضًا تحرم الأجيال القادمة من فرصة الاستفادة من علاجات جديدة محتملة. كما أشار أنوبام بي. جينا من كلية الطب بجامعة هارفارد، فإن الغرض الأساسي من هذه التجارب هو تحديد ما ينجح وما لا ينجح في الطب، وإذا توقفنا عن إجراء هذه التجارب، فإننا نعيق قدرتنا على فهم الأمراض وعلاجها بشكل فعال.

تآكل الثقة في المؤسسات الطبية

بالإضافة إلى التأثير المباشر على الأبحاث، فإن هذه التخفيضات قد تؤدي إلى تآكل الثقة بين الجمهور والمؤسسات الطبية التي تدعمهم. إذا شعر المرضى بالخوف من أن يتم سحب التمويل عن التجارب التي يشاركون فيها بشكل مفاجئ، فقد يترددون في المشاركة في المشاريع البحثية المستقبلية. يقول جيريمي بيرج، المدير السابق لمعهد المعاهد الوطنية للصحة: “إن أي شخص آخر سبق له التحدث عن تجربة سريرية يمكن أن يشعر بسهولة: لماذا يجب أن أشارك في هذا؟”. وهذا بدوره قد يعيق التقدم الطبي ويقلل من فرص العثور على علاجات جديدة.

أسباب التخفيضات وتداعياتها السياسية

في بيان رسمي، دافع أندرو نيكسون، المتحدث باسم وزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأمريكية، عن قرارات التخفيض، مشيرًا إلى أن المعاهد الوطنية للصحة تعيد تنظيم أولوياتها. واعتبر أن التمويل تم توجيهه بعيدًا عن التجارب السريرية لأنها “أعطت الأولوية للجداول الإيديولوجية على الدقة العلمية والنتائج ذات المغزى للشعب الأمريكي”. لكنه أضاف أن هذه الخطوات لا تهدف إلى تقويض البحث العلمي، بل إلى ضمان تخصيص الموارد بشكل فعال.

ومع ذلك، فإن هذه التفسيرات لا تلقى قبولاً واسعًا في الأوساط العلمية. فقد شهدت المعاهد الوطنية للصحة تخفيضات كبيرة في ميزانيتها خلال فترة إدارة ترامب، واستمرت هذه السياسات في التسبب في مشاكل حتى بعد انتهاء ولايته. وقد ساهم قرار المحكمة العليا الأخير في أغسطس في تمهيد الطريق أمام المعاهد الوطنية للصحة لإلغاء مئات الملايين من الدولارات في محاولة لخفض جهود التنوع والمساواة والشمول.

موقف المجتمع العلمي وردود الفعل

أثارت هذه التخفيضات ردود فعل غاضبة من قبل المجتمع العلمي. وقد وقع المئات من علماء المعاهد الوطنية للصحة على خطاب في يونيو/حزيران، ينددون فيه بالسياسات الجديدة واستئناف وقف تمويل المنح. واعتبروا أن هذه الإجراءات “تقوض مهمة المعاهد الوطنية للصحة، وتهدر الموارد العامة، وتضر بصحة الأميركيين والناس في جميع أنحاء العالم”.

هذا الموقف يعكس قلقًا حقيقيًا بشأن مستقبل البحث العلمي في الولايات المتحدة. فالتمويل المستمر هو أمر ضروري لضمان مواصلة العلماء عملهم في تطوير علاجات جديدة وتحسين الرعاية الصحية. وإلا، فإننا نخاطر بفقدان الكثير من الأمل في مواجهة الأمراض التي تهدد حياة الملايين.

في الختام، فإن تخفيضات تمويل المعاهد الوطنية للصحة تمثل تحديًا كبيرًا للبحث العلمي وتهدد التقدم في مجال الرعاية الصحية. إن الحفاظ على استمرارية التمويل الطبي أمر بالغ الأهمية لضمان حصول المرضى على العلاجات التي يحتاجونها وتحسين صحتهم ورفاهيتهم. يجب على صانعي السياسات إعطاء الأولوية للبحث العلمي والاستثمار فيه بشكل كافٍ لضمان مستقبل صحي ومزدهر للجميع. شاركوا رأيكم حول هذا الموضوع المهم، وأعربوا عن دعمكم للبحث العلمي في مجتمعاتكم.

شاركها.