أظهر حلفاء أوكرانيا، خلال اجتماع هام في باريس يوم الثلاثاء، تقدمًا ملحوظًا نحو بلورة اتفاق شامل حول كيفية الدفاع عن البلاد في حال التوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا. وتتضمن هذه الخطط تقديم ضمانات أمنية دولية قوية لردع أي عدوان روسي مستقبلي على أوكرانيا، وهو ما يعكس التزامًا متزايدًا بدعم سيادة واستقلال كييف. هذا التقدم يأتي في ظل استمرار القتال وتصاعد التوترات الجيوسياسية، مما يجعل البحث عن حلول دبلوماسية وخطط دفاعية أمرًا بالغ الأهمية.

الضمانات الأمنية لأوكرانيا: تفاصيل التقدم المحرز

ركز الاجتماع، الذي حضره قادة من 27 دولة أوروبية وكندا، بالإضافة إلى ممثلين عن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، على صياغة ضمانات أمنية فعالة تضمن عدم تكرار السيناريو الحالي. أحد الجوانب الرئيسية التي تمت مناقشتها هو الدور المحتمل للولايات المتحدة في قيادة جهود مراقبة أي وقف لإطلاق النار، مما قد يمنحها دورًا مباشرًا في الحفاظ على السلام.

دور الولايات المتحدة والتحالف في المراقبة والدعم

بالإضافة إلى ذلك، اتفق الحلفاء على تزويد القوات الأوكرانية في الخطوط الأمامية بالمعدات والتدريب اللازمين، وتقديم الدعم الجوي والبري والبحري لتعزيز قدراتها الدفاعية. هذا الدعم الشامل يهدف إلى بناء قوة ردع قوية قادرة على منع أي هجوم روسي محتمل في المستقبل. ويعتبر هذا الاجتماع الخامس عشر والأكبر من نوعه، والذي يُعرف بـ “تحالف الراغبين”، بمثابة علامة فارقة في الجهود الدولية لدعم أوكرانيا، حيث شهد مشاركة أكبر عدد من رؤساء الدول والحكومات ومبعوثين أمريكيين شخصيًا لأول مرة.

تعزيز الجيش الأوكراني: خطة طويلة الأمد

لا تقتصر خطط الدعم على مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار فحسب، بل تشمل أيضًا تعزيز الجيش الأوكراني بشكل كبير. يهدف هذا التعزيز إلى تجديد مخزون الأسلحة والمعدات، وتطوير القدرات العسكرية الأوكرانية، حتى تتمكن من العمل كخط دفاع أول فعال ضد أي تهديدات مستقبلية. وتشير التقديرات إلى أن الجيش الأوكراني قد يحتاج إلى قوة قوامها 800 ألف جندي لتحقيق هذا الهدف، وهو ما يتطلب استثمارات كبيرة وجهودًا متواصلة من قبل الحلفاء. الضمانات الأمنية التي يتم التخطيط لها ليست مجرد وعود دبلوماسية، بل هي خطة عمل ملموسة تهدف إلى حماية أوكرانيا على المدى الطويل.

ردود الفعل من الأطراف المعنية

لم يصدر تعليق فوري من المسؤولين الروس على هذه التطورات، خاصة وأن يوم الثلاثاء يصادف عشية عيد الميلاد الأرثوذكسي. مفاوضات السلام التي تقودها الولايات المتحدة لا تزال تواجه تحديات كبيرة، حيث أصر المسؤولون الروس على مطالبهم السابقة، مؤكدين أنه لا يمكن أن يكون هناك وقف لإطلاق النار إلا بعد التوصل إلى تسوية شاملة. كما استبعد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أي نشر لقوات من دول الناتو على الأراضي الأوكرانية.

من جانبه، أعرب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن تفاؤله الحذر بشأن التقدم المحرز في الاجتماع، مشيرًا إلى أن “أصعب الميادين لا تزال أمامنا” في ظل استمرار الهجمات الروسية. وأكد ستارمر أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا قدمت روسيا تنازلات حقيقية، معربًا عن شكوكه في استعداد بوتين للسلام.

التزامات رئيسية ودعم إقليمي

وافق الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على التقدم المحرز في المحادثات، مشددًا على ضرورة التصديق على الالتزامات من قبل كل دولة حتى يمكن تنفيذها بشكل فعال. وأوضح زيلينسكي أن الحلفاء حددوا الدول المستعدة لتولي القيادة في مختلف جوانب الضمانات الأمنية، بما في ذلك الدعم البري والبحري والجوي، بالإضافة إلى تحديد القوات والموارد اللازمة لتنفيذ هذه الضمانات. الدعم العسكري الذي قدمته وتعهدت به الدول المختلفة هو حجر الزاوية في هذه الخطة.

بالإضافة إلى ذلك، أعلن ستارمر أن المملكة المتحدة وفرنسا ستنشئان مراكز عسكرية في جميع أنحاء أوكرانيا، وتبنيان منشآت محمية لتخزين الأسلحة والمعدات العسكرية، وذلك لدعم الاحتياجات الدفاعية لأوكرانيا في حالة وقف إطلاق النار. ووصف المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف الضمانات الأمنية بأنها تحظى بدعم “قوي” من الولايات المتحدة، بينما اعتبر جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الاجتماع “معلمًا كبيرًا جدًا” نحو تحقيق السلام.

تحديات إضافية وتوترات جيوسياسية

على الرغم من التقدم المحرز، لا تزال هناك حاجة إلى وضع اللمسات النهائية على الالتزامات وتحديد التفاصيل الدقيقة لكيفية تنفيذها. كما أن التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، بما في ذلك تعليقات الرئيس ترامب حول جرينلاند وتدخل الولايات المتحدة في فنزويلا، قد تلقي بظلالها على الجهود الدبلوماسية.

وفي تطور منفصل، نفذ جهاز الأمن الأوكراني ضربات بطائرات بدون طيار على ترسانة عسكرية ومستودع نفط في عمق روسيا، مما يشير إلى تصعيد في العمليات العسكرية من جانب أوكرانيا. هذه الهجمات، التي استهدفت مواقع استراتيجية في منطقة كوستروما وليبيتسك الروسية، تهدف إلى تعطيل الإمدادات اللوجستية للجيش الروسي وتقويض قدراته القتالية.

في الختام، يمثل التقدم المحرز في باريس خطوة مهمة نحو توفير الأمن والاستقرار لأوكرانيا في المستقبل. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة في طريق تحقيق السلام، ويتطلب الأمر جهودًا دبلوماسية متواصلة والتزامًا قويًا من جميع الأطراف المعنية. من الضروري متابعة التطورات على الأرض، وتقييم المخاطر والفرص المتاحة، والعمل على بناء جسور من الثقة والحوار لإنهاء هذا الصراع المدمر.

شاركها.
Exit mobile version