في خضم التوترات المتصاعدة في شمال سوريا، شهدت مدينة حلب تبادلًا لإطلاق النار بين القوات الحكومية السورية ومقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد). وقد أدت هذه الاشتباكات، التي بدأت الثلاثاء، إلى نزوح أكثر من 140 ألف شخص من المدينة، مما يزيد من الأزمة الإنسانية المعقدة في البلاد. يركز هذا المقال على آخر التطورات في حلب، بما في ذلك إعلان وقف إطلاق النار، واستئناف القتال، والجهود الدولية المبذولة لتهدئة الوضع.
وقف إطلاق النار الهش واستئناف القتال في حلب
أعلنت وزارة الدفاع السورية يوم الجمعة عن وقف لإطلاق النار في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد في مدينة حلب، بدءًا من الساعة الثالثة صباحًا بالتوقيت المحلي. كما نص الإعلان على منح الجماعات المسلحة ست ساعات للمغادرة إلى شمال شرق البلاد، حيث تسيطر قوات سوريا الديمقراطية، مع السماح لهم بحمل أسلحتهم الخفيفة الشخصية وتوفير مرافقة لهم.
ومع ذلك، سرعان ما تبين أن هذا الهدنة كانت هشة للغاية. فقد أفادت تقارير صحفية باستئناف القتال في المساء، مما يشير إلى عدم التزام الأطراف بوقف إطلاق النار المعلن. الجدير بالذكر أن قوات سوريا الديمقراطية لم تصدر أي رد علني على إعلان وقف إطلاق النار.
رفض الإخلاء وتصاعد التوتر
بالتزامن مع إعلان وقف إطلاق النار، رفض مجلس كردي محلي في حلب الدعوات إلى إجلاء المقاتلين من الأحياء المتنازع عليها. وأصدر المجلس بيانًا أكد فيه على رفضه لـ”الضغوط المفروضة علينا ودعوات الاستسلام”، معربًا عن عدم ثقته في حكومة دمشق فيما يتعلق بضمان أمنهم. وقد أصر المجلس على البقاء في الأحياء والدفاع عنها.
في تطور لافت، أعلنت الحكومة السورية في وقت لاحق من مساء الجمعة منطقة الشيخ مقصود “منطقة عسكرية مغلقة” وأطلقت ما وصفتها بـ”عملية التطهير”. هذا التصعيد يثير مخاوف كبيرة بشأن مصير المدنيين والمقاتلين في المنطقة.
ردود الفعل الدولية والجهود الدبلوماسية
أثارت الاشتباكات في حلب قلقًا دوليًا واسعًا، مع دعوات متزايدة إلى التهدئة وحماية المدنيين. ورحب توم باراك، المبعوث الأمريكي إلى سوريا، بإعلان وقف إطلاق النار الأولية، معربًا عن “امتنانه العميق لجميع الأطراف – الحكومة السورية، وقوات سوريا الديمقراطية، والسلطات المحلية، وقادة المجتمع – على ضبط النفس وحسن النية الذي جعل هذا التوقف الحيوي ممكنا”.
وأضاف باراك أن الولايات المتحدة تعمل مع الأطراف المعنية لتمديد وقف إطلاق النار وتثبيته. كما أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن رغبته في تحقيق السلام بين الأكراد والحكومة السورية، مشيرًا إلى تحسن العلاقات مع كلا الجانبين. في هذا السياق، يعتبر الدعم الأمريكي للأكراد في مكافحة داعش (تنظيم الدولة الإسلامية) وتقديم المساعدة الإنسانية عاملًا مهمًا في الجهود الدبلوماسية.
الأزمة الإنسانية وتأثير القتال على المدنيين
تركت الاشتباكات في حلب وراءها أزمة إنسانية متفاقمة. فقد أُجبر أكثر من 142 ألف شخص على النزوح من ديارهم، وهم الآن في حاجة ماسة إلى المأوى والغذاء والرعاية الطبية. وقد اتهم كل طرف الآخر ببدء أعمال العنف واستهداف الأحياء المدنية والبنية التحتية بشكل متعمد، بما في ذلك المستشفيات وطواقم الإسعاف.
تفيد التقارير بأن 12 مدنيًا على الأقل قُتلوا في الأحياء ذات الأغلبية الكردية، بينما أكدت مصادر حكومية مقتل تسعة مدنيين على الأقل في المناطق المحيطة. بالإضافة إلى ذلك، أصيب العشرات من الجانبين. وتعيق الاشتباكات وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، مما يزيد من حدة الأزمة.
معاناة السكان المحليين
يعبر سكان حلب عن إحباطهم وخوفهم من استمرار القتال. أحمد حجار، وهو خياط في حي الأشرفية، وصف إعلان وقف إطلاق النار بأنه “خطوة جيدة”، لكنه دعا إلى إزالة نقاط التفتيش التي تعيق حركة الناس والبضائع. وأضاف أن الوضع الاقتصادي تدهور بشكل كبير بسبب القتال، وأن الكثير من العمال غير قادرين على الذهاب إلى عملهم.
خلفية الصراع وعلاقات الأطراف المتورطة
الصراع في حلب يعكس التوترات الأوسع نطاقًا في سوريا، والتي تشمل قضايا سياسية وعرقية وإقليمية معقدة. تأتي الاشتباكات الحالية في ظل جمود في المفاوضات السياسية بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية.
في مارس من العام الماضي، وقعت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية اتفاقًا للاندماج مع الجيش السوري بحلول نهاية عام 2025، إلا أن الخلافات حول كيفية تنفيذ هذا الاندماج لا تزال قائمة. إضافة إلى ذلك، فإن علاقات قوات سوريا الديمقراطية بحزب العمال الكردستاني (PKK) تعتبرها تركيا تهديدًا لأمنها القومي. وقد أدت هذه العلاقات إلى اتهامات من أنقرة بدعم قوات سوريا الديمقراطية للإرهاب، مما أدى إلى تدخلات تركية في شمال سوريا.
الوضع في حلب يتطلب حلولًا سياسية وشاملة تعالج مصالح جميع الأطراف المتورطة، بالإضافة إلى توفير الحماية للمدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إليهم.
التوجهات المستقبلية
مع استمرار الاشتباكات، يبدو مستقبل حلب غير واضح. من الضروري أن تلتزم جميع الأطراف بوقف دائم لإطلاق النار، والعودة إلى طاولة المفاوضات من أجل التوصل إلى حل سياسي يضمن الاستقرار والسلام في المدينة. يتطلب ذلك أيضًا دورًا بناءً من المجتمع الدولي، من خلال الضغط على الأطراف المتنازعة وتقديم الدعم اللازم للجهود الدبلوماسية والإنسانية. إيجاد حل دائم للأزمة في حلب ليس مجرد ضرورة إنسانية، بل هو أيضًا خطوة حاسمة نحو تحقيق السلام والاستقرار في سوريا بشكل عام.

