زيارة لـ “لامبيدوسا”: رسالة قوية من البابا ليو الرابع عشر حول الهجرة
يثير الإعلان عن زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى جزيرة لامبيدوسا الصقلية في 4 يوليو/تموز، صدى عميقًا لنهج سلفه البابا فرانسيس. هذه الزيارة، التي تقع في قلب أزمة الهجرة الأوروبية، تُعد بمثابة تأكيد قوي على اهتمام الفاتيكان المتواصل بقضايا المهاجرين واللاجئين، لا سيما وأن لامبيدوسا تُعد نقطة عبور رئيسية لهم.
خطة بابوية حافلة بالزيارات والرؤى
كشف الفاتيكان مؤخرًا عن جدول أعمال البابا ليو الرابع عشر الممتد لستة أشهر، والذي يتضمن زيارات يومية لست مدن إيطالية. هذا الكشف المبكر وغير المعتاد عن خطة سفر بابوية شاملة يعكس نشاطًا ملحوظًا للقديس الأب، الذي سيشمل مساره زيارة قبر القديس أوغسطين، الذي ألهم تأسيس نظامه الديني.
لا يقتصر طموح الأب ليو على الأراضي الإيطالية، بل تمتد الخطط المستقبلية لرحلات دولية مكثفة في عام 2026. من بين هذه الخطط، هناك دراسات جارية لرحلة إلى أربع دول أفريقية بعد عيد الفصح، تشمل الجزائر وغينيا الاستوائية وأنغولا والكاميرون. كما عبّر البابا عن رغبته الصادقة في زيارة وطنه بيرو، بالإضافة إلى الأرجنتين وأوروغواي، وهي رحلات قد تُجرى بنهاية العام.
لامبيدوسا: رمزية عميقة ورسالة استمرارية
الملفت للنظر أن أحد الأمور التي أكدها الفاتيكان سابقًا هو غياب رحلة خارجية إلى الولايات المتحدة – موطن البابا ليو الرابع عشر – ضمن جدول الأعمال لهذا العام، رغم احتفالها بالذكرى الـ 250 لتأسيسها. بدلًا من ذلك، سيؤدي البابا زيارة إلى لامبيدوسا في يوم استقلال الولايات المتحدة، وهي جزيرة إيطالية تتمركز جغرافيًا أقرب إلى أفريقيا منها إلى البر الرئيسي الإيطالي.
هذه الخطوة تحمل وزنًا رمزيًا كبيرًا، حيث أن البابا فرانسيس نفسه اختار لامبيدوسا لتكون وجهة رحلته الأولى خارج روما بعد انتخابه عام 2013، وذلك للتعبير عن تضامنه مع المهاجرين الذين وصلوا إلى الجزيرة بعد رحلات محفوفة بالمخاطر من شمال أفريقيا.
-
رسالة البابا فرانسيس في لامبيدوسا: في تلك الزيارة التاريخية، احتفل البابا فرانسيس بقداس مهيب على مذبح تم صنعه من قوارب المهاجرين الغارقة. خلال كلمته، ندد بـ “عولمة اللامبالاة” تجاه المحاولات اليائسة للمهاجرين للوصول إلى أوروبا، وهو شعار اتسم بوضوح بابويته وزاد من حدة التوترات مع الإدارة الأمريكية آنذاك.
-
تواصل البابا ليو مع قضايا الهجرة: ليس غريبًا أن نرى البابا ليو الرابع عشر يواصل هذا النهج، خاصة وأن لديه تاريخًا في الاشتباك مع الإدارات الأمريكية بشأن قضايا الهجرة. فقد دعم بقوة الأساقفة الأمريكيين الذين أدانوا عمليات الترحيل الجماعية، مما يعكس التزامه بمبدأ التضامن الإنساني.
تذليل العقبات: اليوبيل يفتح الأبواب
تأثرت قدرة البابا ليو الرابع عشر، وهو أول بابا أمريكي المولد في التاريخ، على مغادرة روما بشكل كبير خلال عامه الأول بسبب أجندة السنة المقدسة المزدحمة لعام 2025. شهد هذا العام توافد ملايين الحجاج إلى الفاتيكان لحضور مناسبات دينية ولقاءات بابوية.
مع انتهاء اليوبيل، أصبح بإمكان البابا ليو الآن الخروج من المدينة بسهولة أكبر. وقد بدأ سلسلة من الزيارات الرعوية داخل أبرشيته الرومانية كل يوم أحد طوال فترة الصوم الكبير، وهي الفترة التي تسبق عيد الفصح.
استكشاف الكنيسة الإيطالية والمؤمنين
سيأخذ خط سير الرحلة إلى إيطاليا، الذي تم الإعلان عنه، البابا ليو الرابع عشر إلى أماكن متنوعة، مما يمنحه فرصة للتعرف بشكل أعمق على الكنيسة الإيطالية ومؤمنيها.
-
نانسي و بومبي: تبدأ الرحلات في 8 مايو بزيارة نابولي ومدينة بومبي الأثرية القريبة. سيعود البابا إلى المنطقة لاحقًا في 23 مايو للقاء المؤمنين في المنطقة المعروفة بـ “أرض الحرائق”، بسبب التحديات البيئية والصحية التي تواجه سكانها نتيجة إلقاء النفايات السامة.
-
بافيا و القديس أوغسطين: في 20 يونيو، سيتجه البابا ليو شمالًا إلى بافيا، بالقرب من ميلانو. تقع كاتدرائية بافيا، حيث يقع قبر القديس أوغسطين، مما يشير إلى أن هذه الزيارة ستكون ذات أهمية شخصية عميقة للبابا، الذي يرى نفسه كنتاج روحي للقديس أوغسطين.
-
أسيزي و ريميني: في 6 أغسطس، سيزور البابا مدينة أسيزي، الواقعة على تل في منطقة أومبريا، والتي تحتفل هذه السنة بمرور 800 عام على وفاة أشهر أبنائها، القديس فرانسيس. وفي وقت لاحق من الشهر، في 22 أغسطس، سيشارك ليو في المؤتمر السياسي والديني الإيطالي السنوي في منتجع ريميني المطل على البحر الأدرياتيكي.
حب السفر والتنقل
لطالما عبر البابا ليو، الذي ولد في شيكاغو وقضى عقدين من الزمن كمبشر في بيرو، عن حبه للسفر. لقد أمضى سنوات عديدة في التنقل، حيث شغل منصب رئيس الطائفة الأوغسطينية لفترتين، كل منهما ست سنوات، مما استلزم منه زيارة المجتمعات الأوغسطينية حول العالم. هذه الخبرة في التنقل والتواصل تمنحه رؤية فريدة لقضايا عالمية، بما في ذلك الهجرة.
خاتمة
تُعد زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى لامبيدوسا، إلى جانب خططه الواسعة لزيارة إيطاليا وأفريقيا والبلدان الأخرى، مؤشرًا واضحًا على التزامه بالانخراط المباشر مع القضايا الإنسانية والاجتماعية الملحة. هذه الزيارات ليست مجرد جولات رعوية، بل هي رسائل قوية تعكس استمرارية لنهج الباباوات المعاصرين في حمل صوت الفقراء والمهمشين والتأكيد على أهمية التضامن الإنساني في عالم يزداد تعقيدًا.

