محاكمة تاريخية في كوريا الجنوبية: الرئيس السابق يون سوك يول يُحكم عليه بالسجن مدى الحياة بتهمة التمرد
في تطور هز أرجاء كوريا الجنوبية، أصدرت محكمة كورية جنوبية يوم الخميس حكمًا تاريخيًا بالسجن مدى الحياة على الرئيس السابق يون سوك يول، إثر فرضه لفترة وجيزة الأحكام العرفية في ديسمبر 2024. اعتبرت المحكمة أن استيلاءه على السلطة هذا يمثل تمردًا، في قرار يمثل ذروة أزمة سياسية عصفت بالبلاد. جاء هذا الحكم بعد عشرة أشهر من الإجراءات القضائية الشاقة، حيث ظل يون متمسكًا بموقفه، مؤكدًا أن أفعاله كانت ممارسة مشروعة للسلطة الرئاسية لمواجهة معارضيه الليبراليين.
بداية الأزمة: جذور الأحكام العرفية
بدأت سلسلة الأحداث المتصاعدة بتصريحات أدلى بها يون في 1 ديسمبر 2024. وبحسب الادعاء، فقد أعرب الرئيس السابق حينها لوزير الدفاع كيم يونج هيون عن رغبته في اتخاذ “إجراءات طارئة” ضد منافسيه الليبراليين في الجمعية الوطنية. جاء ذلك بعد أن استخدم هؤلاء النواب أغلبيتهم لعزل مسؤولين رفيعي المستوى، والمدعين العامين، ولخفض الميزانيات الحكومية، مما اعتبره يون تقويضًا لسلطته.
إعلان مفاجئ: الأحكام العرفية تخيم على البلاد
في مفاجأة مدوية، خاطب يون الأمة عبر التلفزيون في 3 ديسمبر 2024، معلنًا فرض الأحكام العرفية. وصف المجلس التشريعي الذي تسيطر عليه المعارضة بأنه “وكر للمجرمين” يشل حركة الحكومة، وتعهد بـ “القضاء” على خصومه الليبراليين “المناهضين للدولة”. لم يمر وقت طويل قبل أن تقتحم وحدات من القوات المسلحة والشرطة المسلحة مقر الجمعية الوطنية، في مشهد عكس تصاعد التوتر السياسي.
الاستجابة الدستورية: رفع الأحكام العرفية
لم تتأخر الجمعية الوطنية في الرد. فبعد منتصف الليل ببضع دقائق في 4 ديسمبر 2024، أعلن رئيس الجمعية الوطنية، وو وون شيك، عبر موقع يوتيوب أن البرلمان سيرد على إعلان يون بالأحكام العرفية من خلال “الإجراءات الدستورية”. وفي غضون ساعات، صوت 190 مشرعًا، بمن فيهم 18 من حزب قوة الشعب الذي ينتمي إليه يون، بالإجماع على رفع الأحكام العرفية، وبدأت القوات في الانسحاب. رسميًا، تم إنهاء هذه الفترة بعد اجتماع لمجلس الوزراء في 4:30 صباحًا.
تداعيات سريعة: الإقالة والاعتقالات
تبع ذلك سلسلة من التطورات المتسارعة. في 7 ديسمبر 2024، قاطع معظم نواب الحزب الحاكم تصويتًا على عزل يون. وفي 8 ديسمبر، اعتقلت النيابة العامة وزير الدفاع السابق كيم لدوره المزعوم في تخطيط الأحكام العرفية. تبع ذلك منع وزارة العدل ليون من السفر إلى الخارج في 9 ديسمبر، مع توسيع التحقيقات لتشمل اتهامات مختلفة.
يون يدافع عن نفسه: “النضال حتى النهاية”
في 12 ديسمبر 2024، دافع يون عن مرسوم الأحكام العرفية، واصفًا إياه بأنه عمل من أعمال الحكم، ونفى اتهامات التمرد، متعهدًا بـ “النضال حتى النهاية” ضد محاولات عزله.
الإقالة الرسمية والانتخابات الرئاسية
لم تدم محاولات يون بالنجاح. في 14 ديسمبر 2024، أقالت الجمعية الوطنية الرئيس بأغلبية 204 صوتًا مقابل 85. تولى رئيس الوزراء هان داك سو المسؤولية مؤقتًا. وبعد سلسلة من التطورات القضائية والسياسية، بما في ذلك قرار المحكمة الدستورية الذي أيد عزل يون في 4 أبريل 2025، تم تحديد يوم 3 يونيو 2025 موعدًا للانتخابات الرئاسية.
محاكمة التمرد: الحكم النهائي
شهدت الفترة اللاحقة محاكمات مكثفة. في 3 يونيو 2025، انتخب مرشح الحزب الديمقراطي، لي جاي ميونغ، رئيسًا جديدًا للبلاد. أخيرًا، وفي 19 فبراير 2026، أصدرت محكمة منطقة سيول المركزية حكمها بالسجن مدى الحياة على الرئيس السابق يون سوك يول بتهمة التمرد. كما شملت الأحكام عقوبات بالسجن لزوجته وعدد من المسؤولين السابقين، مما يمثل نهاية قصة سياسية معقدة أدت إلى محاسبة تاريخية.
خاتمة:
يمثل حكم الإدانة التاريخي بحق الرئيس السابق يون سوك يول صفحة جديدة في تاريخ كوريا الجنوبية، مؤكدًا على سيادة القانون وقوة المؤسسات الديمقراطية في مواجهة أي محاولات لزعزعة استقرارها. تترك هذه القضية دروسًا عميقة حول أهمية الحفاظ على التوازنات السياسية واحترام الإرادة الشعبية.

