في خضم التوترات المتصاعدة في سوريا، شهدت منطقة حميمة، الواقعة شرق حلب، تطورات مقلقة تتعلق بسلامة المدنيين. فبعد تحذير من الجيش السوري ببدء عملية عسكرية وشيكة ضد القوات التي يقودها الأكراد، غادر عدد محدود من السكان المنطقة يوم الخميس، بينما واجه آخرون صعوبات في الإخلاء، مما أثار اتهامات متبادلة بعرقلة حركة المدنيين. هذا الوضع يلقي بظلاله على مستقبل المنطقة، ويُعيد إلى الأذهان تعقيدات الصراع السوري المستمر.

تطورات الأوضاع في حميمة وقيود على الإخلاء

أعلن الجيش السوري عن فتح “ممر إنساني” لإجلاء المدنيين من منطقة دير حافر وصولاً إلى حميمة، وذلك قبل بدء عملية عسكرية محتملة ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد). ومع ذلك، أفاد مسؤولون حكوميون وسكان محليون بأن قسد منعت العديد من العائلات من استخدام هذا الممر.

فرحات خورتو، عضو المكتب التنفيذي لمحافظة حلب، صرح بوجود ما يقرب من مئتي سيارة مدنية ومئات الأشخاص الراغبين في المغادرة، لكن قسد اعترضت طريقهم، محذرة إياهم من خطر القناصة والعبوات الناسفة على طول الطريق. هذه الاتهامات تثير قلقاً بالغاً بشأن مصير المدنيين العالقين في المنطقة.

روايات السكان عن صعوبة الإخلاء

لم يقتصر الأمر على منع الإخلاء عبر الممر المحدد، بل اضطرت بعض العائلات إلى اللجوء إلى طرق بديلة للهروب من المنطقة. صالح العثمان، وهو أحد الفارين مع أكثر من 50 من أقاربه، أوضح أنهم حاولوا المغادرة عبر الطريق الرئيسي لكن قسد منعتهم، مما اضطرهم للسير على الأقدام لمسافة تتراوح بين سبعة وثمانية كيلومترات قبل أن يتمكنوا من الوصول إلى نقطة آمنة.

كما روى ياسر الحسنو، وهو أيضاً من دير حافر، أنه غادر مع عائلته عبر الطرق الخلفية بسبب إغلاق الطرق الرئيسية، واضطروا لعبور نهر صغير سيراً على الأقدام للوصول إلى بر الأمان. وأضاف أحمد العلي، وهو أحد سكان دير حافر، أنهم اضطروا إلى دفع رشاوى للتمكن من عبور النهر سيراً على الأقدام، وأن قسد لا تزال تمنع أي شخص من المرور عبر المعبر الرئيسي. هذه القصص المؤلمة تسلط الضوء على المعاناة التي يواجهها المدنيون في مناطق النزاع.

ردود فعل الأطراف المعنية

نفت قوات سوريا الديمقراطية بشدة الاتهامات الموجهة إليها بعرقلة عملية الإخلاء، مشيرة إلى أن القصف الحكومي هو الذي يعيق حركة السكان. وأصدرت قسد بياناً أكدت فيه أن أي تهجير قسري للمدنيين تحت التهديد باستخدام القوة يشكل جريمة حرب، ودعت المجتمع الدولي إلى إدانة هذه الممارسات. وأضافت أن سكان دير حافر أبدوا التزاماً قوياً بأرضهم وبيوتهم، وأنهم لا يرغبون في مغادرتها تحت الضغط العسكري.

في المقابل، أعلن الجيش السوري تمديد الممر الإنساني ليوم آخر، ودعا قسد والجماعات المسلحة الأخرى إلى الانسحاب إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات. هذا التطور يشير إلى استمرار التوتر العسكري واحتمال تصعيد الموقف في المنطقة. الوضع في حميمة يمثل نقطة اشتعال جديدة في الصراع السوري.

خلفية التوترات: اتفاقيات معلقة ومصالح متضاربة

تعود جذور التوترات الحالية في منطقة دير حافر إلى تعثر المفاوضات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية بشأن اتفاق تم التوصل إليه في مارس الماضي. كان الهدف من هذا الاتفاق دمج القوات والسماح للحكومة المركزية بالسيطرة على المؤسسات في شمال شرق البلاد، بما في ذلك المعابر الحدودية وحقول النفط.

ومع ذلك، فإن بعض الفصائل التي تشكل الجيش السوري الجديد، والتي كانت في السابق جماعات متمردة مدعومة من تركيا، لديها تاريخ طويل من الاشتباكات مع القوات الكردية. هذا التعقيد يزيد من صعوبة التوصل إلى حل سياسي شامل.

الدور الإقليمي والدولي

لطالما كانت قوات سوريا الديمقراطية الشريك الرئيسي للولايات المتحدة في سوريا في القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية. ومع ذلك، تعتبر تركيا قسد منظمة إرهابية بسبب ارتباطها بالمتمردين الأكراد في تركيا. هذا التناقض في وجهات النظر يعكس التحديات التي تواجهها السياسة الأمريكية في سوريا.

على الرغم من الدعم الأمريكي طويل الأمد لقسد، طورت إدارة ترامب علاقات وثيقة مع حكومة الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع، وتجنبت حتى الآن الانحياز علناً إلى أي طرف في الاشتباكات في حلب. إلهام أحمد، رئيسة العلاقات الخارجية للإدارة التي يقودها الأكراد، أكدت أن مسؤولي قسد على اتصال مع الولايات المتحدة وتركيا، وأنهم قدموا مبادرات لخفض التصعيد.

مستقبل حميمة والمنطقة المحيطة

إن مستقبل حميمة والمنطقة المحيطة بها لا يزال غير واضحاً. فمع استمرار التوترات العسكرية والاتهامات المتبادلة، يخشى السكان من تدهور الأوضاع الإنسانية وتصاعد العنف. من الضروري أن يبذل المجتمع الدولي جهوداً مكثفة لتهدئة الوضع، وضمان سلامة المدنيين، ودفع الأطراف المتنازعة إلى طاولة المفاوضات.

الوضع الإنساني المتدهور في سوريا، وخاصة في المناطق المتنازع عليها مثل حميمة، يتطلب استجابة عاجلة من جميع الأطراف المعنية. يجب إعطاء الأولوية لحماية المدنيين وتوفير المساعدات الإنسانية اللازمة لهم. كما يجب على الأطراف المتنازعة الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وتجنب استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية.

في الختام، إن الأحداث الجارية في حميمة هي بمثابة تذكير مؤلم بالصراع السوري المستمر وتأثيره المدمر على حياة المدنيين. من الضروري أن يتم التعامل مع هذا الوضع بحذر ومسؤولية، وأن يتم إعطاء الأولوية لحماية المدنيين وتحقيق الاستقرار في المنطقة. نأمل أن تشهد سوريا يوماً من السلام والأمن، وأن يتمكن شعبها من العيش بكرامة وحرية.

شاركها.
Exit mobile version