في خضم التحولات السياسية والاقتصادية التي تشهدها الولايات المتحدة، يبرز سؤال حول أولويات السياسة الخارجية، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية. تشير الدلائل إلى أن غالبية الأمريكيين، بمن فيهم أنصار الرئيس دونالد ترامب، يفضلون تركيز الحكومة على القضايا الداخلية الملحة، مثل الرعاية الصحية وتكاليف المعيشة، بدلاً من الانخراط في صراعات خارجية جديدة. هذا التحول في الرأي العام يمثل تحديًا محتملاً لإدارة ترامب، التي قد تسعى إلى تبني دور أكثر توسعية في مناطق مثل فنزويلا.
تراجع الاهتمام بالسياسة الخارجية: تحول في الأولويات الأمريكية
أظهر استطلاع حديث أجرته AP-NORC أن حوالي ربع البالغين الأمريكيين فقط يعتبرون قضايا السياسة الخارجية ذات أولوية قصوى للحكومة في عام 2026. يمثل هذا انخفاضًا ملحوظًا مقارنة بالعامين السابقين، حيث كان ما يقرب من ثلث الأمريكيين يضعون هذه القضايا في صدارة اهتماماتهم. تأتي هذه النتيجة في أعقاب العملية العسكرية الأخيرة في فنزويلا، والتي أثارت تساؤلات حول مدى استعداد الولايات المتحدة للتدخل في شؤون دول أخرى.
وبالرغم من أن بعض الجمهوريين قد أبدوا دعمًا أوليًا للضربة العسكرية في فنزويلا، إلا أن الاستطلاعات تشير إلى أن هذا الدعم ليس واسع النطاق. فمعظم الأمريكيين يرغبون في رؤية الحكومة تركز على حل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية داخل البلاد، مثل ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وتوفير فرص عمل أفضل. هذا التركيز على القضايا الداخلية يعكس شعوراً بالملل والإحباط من الحروب والصراعات الخارجية التي استمرت لعقود، دون تحقيق نتائج ملموسة.
فنزويلا.. قضية تثير الانقسام وتحد إدارة ترامب
تعتبر قضية فنزويلا مثالاً واضحًا على هذا التحول في الرأي العام. فالرغم من ادعاءات إدارة ترامب بوجود صلة بين فنزويلا وتهريب المخدرات، إلا أن هذه القضية لم تحظ باهتمام كبير من قبل الأمريكيين بشكل عام. فقد أظهر استطلاع للرأي أن حوالي 45% من الأمريكيين يعارضون سيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا واختيار حكومة جديدة للبلاد، بينما يؤكد حوالي 90% منهم على أن الشعب الفنزويلي هو من يجب أن يقرر قيادته المستقبلية.
وعلى الرغم من الانقسام الواضح بين الديمقراطيين والجمهوريين حول التدخل في فنزويلا، إلا أن هناك إجماعًا متزايدًا على أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تتدخل بشكل مباشر في شؤون البلدان الأخرى. يشير هذا إلى أن أنصار الرئيس ترامب، الذين انتخبوه على وعد بـ “أمريكا أولاً” وإنهاء “الحروب إلى الأبد”، قد يكونون غير مستعدين لدعم تدخل عسكري جديد في الخارج.
آراء الجمهوريين حول التدخل الدولي
تشير الاستطلاعات إلى أن غالبية الجمهوريين (55%) يعتقدون أن الدور الحالي للولايات المتحدة في القضايا العالمية “صحيح تقريبًا”. فقط حوالي 10% منهم يرغبون في أن تلعب الولايات المتحدة دورًا “أكثر نشاطًا” في حل مشاكل العالم، وهو ما يمثل تناقضًا واضحًا مع دعوات التدخل العسكري في فنزويلا.
ومن المثير للاهتمام أن حوالي 70% من الناخبين الذين أيدوا ترامب في الانتخابات الرئاسية لعام 2024 يفضلون أن تلعب الولايات المتحدة دورًا “أقل نشاطًا” في حل مشاكل العالم. هذا يعكس رغبة قوية في التركيز على القضايا الداخلية وإعادة بناء أمريكا، بدلاً من الانخراط في صراعات خارجية مكلفة وغير مجدية.
دعم أنصار ترامب.. هل لا يزال قائماً؟
على الرغم من بعض التحفظات حول السياسة الخارجية، لا يزال أنصار ترامب يدعمونه بقوة. فقد أظهرت الاستطلاعات أن الغالبية العظمى منهم يعتقدون أنه يفي بوعده بـ “أمريكا أولاً”، وأن العملية العسكرية في فنزويلا لا تمثل تخليًا عن هذا الوعد.
وبالرغم من هذا الدعم، إلا أن إدارة ترامب تواجه تحديًا حقيقيًا في التوفيق بين رغبة أنصارها في التركيز على القضايا الداخلية، وبين بعض الدعوات إلى تبني دور أكثر قوة في السياسة الخارجية. في هذا السياق، قد يكون من الصعب على ترامب الحصول على دعم واسع النطاق لأي تدخل عسكري جديد في الخارج، خاصة إذا لم يكن هناك مبرر واضح أو مصلحة وطنية مباشرة.
مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية: تحديات وفرص
بشكل عام، تشير الاستطلاعات إلى أن السياسة الخارجية أصبحت أقل أهمية بالنسبة للأمريكيين، وأنهم يفضلون التركيز على القضايا الداخلية. يمثل هذا تحولًا كبيرًا في الرأي العام، وقد يكون له تأثير عميق على مستقبل السياسة الأمريكية في العالم.
ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، سيكون على المرشحين أن يأخذوا هذا التحول في الاعتبار عند صياغة خططهم للسياسة الخارجية. سيكون على الرئيس القادم أن يجد طريقة لتحقيق التوازن بين الحاجة إلى حماية المصالح الأمريكية في الخارج، وبين الرغبة المتزايدة في التركيز على حل المشاكل الداخلية.
إدارة ترامب ورغبة أمريكا في التركيز على الداخل و تجاهل الصراعات الخارجية يمثلان واقعًا جديدًا يجب التعامل معه بحكمة وتبصر. سيكون على واشنطن أن تثبت أنها قادرة على الاستماع إلى صوت الشعب، وأن تتخذ قرارات تخدم مصالحه الفضلى، سواء داخل البلاد أو خارجها.

