الاحتجاجات في إيران: أزمة اقتصادية وتحديات سياسية متصاعدة
تشهد إيران احتجاجات واسعة النطاق على مستوى البلاد، مدفوعةً بشكل أساسي بالوضع الاقتصادي المتردي وتفاقم الأزمات المعيشية. تتزايد الضغوط على النظام الإيراني، الذي لجأ إلى إجراءات قمعية مثل إغلاق شبكات الإنترنت والهاتف في محاولة للسيطرة على الوضع. تأتي هذه التطورات في ظل تعقيدات إقليمية ودولية، بما في ذلك تداعيات الحرب الإسرائيلية الحالية على غزة، والتوترات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وفرض العقوبات الاقتصادية. تفاقمت الأوضاع بعد الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني في عام 2023، مما أضعف “محور المقاومة” الذي تدعي إيران قيادته. كما أن التحذيرات الأمريكية الأخيرة، خاصة تصريحات الرئيس ترامب بشأن استخدام القوة ضد قمع المتظاهرين، تزيد من حدة الأزمة.
أسباب اندلاع الاحتجاجات في إيران
يعود السبب المباشر لاندلاع الاحتجاجات إلى الانهيار المتسارع للريال الإيراني، والذي أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية مثل اللحوم والأرز. يعاني الإيرانيون من معدل تضخم سنوي يقارب 40%، مما يجعل توفير الاحتياجات اليومية أمرًا صعبًا للغاية. كما أن القرار الذي اتخذته الحكومة في ديسمبر/كانون الأول بخصوص أسعار البنزين المدعومة، والذي رفع أسعار الوقود بشكل ملحوظ، فاقم الغضب الشعبي. هذا القرار جاء في إطار سلسلة من الإجراءات الاقتصادية المثيرة للجدل، حيث تتجه الحكومة نحو مراجعة أسعار الوقود كل ثلاثة أشهر.
بالإضافة إلى ذلك، ألغى البنك المركزي الإيراني سعر الصرف التفضيلي للدولار مقابل الريال لمعظم المنتجات باستثناء الأدوية والقمح، مما أدى إلى توقعات بارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل أكبر.
تطورات الاحتجاجات و ردود الفعل الحكومية
بدأت الاحتجاجات في أواخر ديسمبر/كانون الأول مع تجار في طهران، وسرعان ما انتشرت إلى مختلف المدن والمحافظات الإيرانية. في البداية، ركزت المظاهرات على المطالب الاقتصادية، لكنها تطورت بسرعة لتشمل هتافات معارضة للحكومة ونقدًا للقيادة الإيرانية. تعتبر هذه الاحتجاجات امتدادًا للغضب المتراكم لدى الشعب الإيراني على مر السنين، والذي تفجر بقوة بعد وفاة مهسا أميني في عام 2022، والتي أثارت مظاهرات واسعة النطاق في جميع أنحاء البلاد.
وتشير تقارير منظمات حقوق الإنسان إلى أن الاحتجاجات واسعة الانتشار، حيث تم رصد أكثر من 390 احتجاجًا في جميع محافظات إيران الـ 31. كما كشفت التقارير عن ارتفاع عدد القتلى إلى 42 شخصًا على الأقل، واعتقال ما يزيد عن 2270 شخصًا. تجدر الإشارة إلى أن هذه المعلومات تأتي من شبكة من الناشطين داخل إيران، وقد أثبتت دقتها في رصد الاضطرابات السابقة. ومع ذلك، يظل من الصعب تحديد الحجم الدقيق والانتشار الفعلي للاحتجاجات بسبب القيود المفروضة على وسائل الإعلام والرقابة المشددة.
وفي محاولة لقمع الاحتجاجات، قام المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بالتحذير من أن “المثيرين للشغب” سيواجهون العواقب، لكن يبدو أن الاحتجاجات مستمرة على الرغم من هذه التحذيرات.
تحديات تواجه “محور المقاومة” الإيراني
تأتي هذه الاحتجاجات في وقت يواجه فيه “محور المقاومة” الذي تعتبره إيران حجر الزاوية في سياستها الخارجية، تحديات كبيرة. الحرب الإسرائيلية على غزة أضعفت بشدة حركة حماس، بينما يواجه حزب الله في لبنان ضغوطًا متزايدة بعد مقتل قياداته العليا على يد إسرائيل. كما أن سقوط حليف طهران القوي في سوريا، الرئيس بشار الأسد، في ديسمبر 2024 أطاح بدعامة رئيسية في هذا التحالف. بالإضافة إلى ذلك، تتعرض المجموعات الحوثية المدعومة من إيران في اليمن لضربات جوية من قبل إسرائيل والولايات المتحدة.
التوتر الإيراني الأمريكي وتصريحات ترامب
تنعكس هذه التطورات على العلاقات المتوترة بالفعل بين إيران والولايات المتحدة. حذر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إيران من استخدام القوة ضد المتظاهرين السلميين، وهدد بتدخل أمريكي في حال نشوب أعمال عنف. لقد اكتسب هذا التحذير زخمًا جديدًا بعد قيام القوات الأمريكية باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حليف إيران المقرب.
وقد صرح ترامب بأنه يراقب الوضع الإيراني عن كثب، وأكد أنه إذا بدأ النظام الإيراني في قتل المتظاهرين، فإنه يتوقع ردًا قويًا من الولايات المتحدة.
البرنامج النووي الإيراني والمخاوف الغربية
لا يزال البرنامج النووي الإيراني يشغل حيزًا كبيرًا من القلق الغربي. تصر إيران على أن برنامجها النووي سلمي، إلا أن مسؤوليها هددوا بشكل متزايد بالسعي لامتلاك سلاح نووي. وقبل الهجوم الأمريكي في يونيو، كانت إيران قد بدأت بتخصيب اليورانيوم إلى مستويات قريبة من مستويات تصنيع الأسلحة، مما يجعلها الدولة الوحيدة في العالم التي لا تملك برنامج أسلحة نووية، و تقوم بذلك. كما أن طهران قد خفضت تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي هيئة الرقابة النووية التابعة للأمم المتحدة.
وقد حذر المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية من أن إيران لديها القدرة على إنتاج ما يصل إلى 10 قنابل نووية إذا قررت تسليح برنامجها. وتقدر وكالات الاستخبارات الأمريكية أن إيران لم تبدأ بعد برنامج أسلحة، ولكنها اتخذت خطوات تمكنها من إنتاج جهاز نووي إذا اختارت ذلك.
هل هناك أفق لحل الأزمة؟
أعلنت إيران مؤخرًا أنها أوقفت تخصيب اليورانيوم في جميع المواقع في البلاد، في محاولة للإشارة إلى الغرب بأنها لا تزال منفتحة على المفاوضات المحتملة بشأن برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات. لكن لم تشهد الأشهر التي تلت الهجوم الأمريكي في يونيو أي محادثات ملموسة.
تتعلق جذور التوتر بين إيران والولايات المتحدة بعقود مضت، وتعود إلى فترة الشاه محمد رضا بهلوي، الذي كان حليفًا وثيقًا للولايات المتحدة قبل أن يتم الإطاحة به في الثورة الإسلامية عام 1979. لقد شهدت العلاقات بين البلدين تقلبات عديدة، وبلغت ذروتها في اتفاقية 2015 النووية ثم تدهورت بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018.
إن مستقبل العلاقات الإيرانية الأمريكية، وحل الأزمة الحالية في إيران، يعتمد على قدرة الأطراف المعنية على إيجاد حلول دبلوماسية تعالج المخاوف المتبادلة وتراعي المصالح المشروعة لجميع الأطراف.
#احتجاجات_إيران #الوضع_الاقتصادي #البرنامج_النووي #العلاقات_الإيرانية_الأمريكية #آية_الله_خامئني #دونالد_ترامب #الشرق_الأوسط #أخبار_عاجلة

