جدل حول حق المواطنة بالولادة: المحكمة العليا تراجع قرار ترامب

تعود قضية المواطنة بالولادة لتتصدر المشهد القضائي الأمريكي، حيث تستمع المحكمة العليا مجددًا للحجج المتعلقة بما إذا كان يمكن للرئيس دونالد ترامب سحب الجنسية من الأطفال المولودين في الولايات المتحدة لأبوين يقيمون بشكل غير قانوني أو مؤقت. تنبع هذه القضية من أمر تنفيذي وقعه ترامب في بداية ولايته الثانية، يهدف إلى إنهاء ما يُعرف تقليديًا بـ “الجنسية بالمولد” (birthright citizenship)، وهو مفهوم يمنح الجنسية لجميع الأشخاص المولودين على الأراضي الأمريكية تقريبًا. ورغم أن هذا المبدأ تشكل جزءًا من القانون الأمريكي لأكثر من قرن، إلا أنه نادر نسبيًا على مستوى العالم.

فهم حق المواطنة بالولادة

يعتمد مفهوم المواطنة بالولادة بشكل أساسي على مبدأ “حق الأرض” (Jus Soli)، والذي يعني منح الجنسية لمن يولد على تراب الدولة. في الولايات المتحدة، تم ترسيخ هذا الحق دستوريًا بعد الحرب الأهلية، وكان أحد الأهداف الرئيسية ضمان حصول العبيد السابقين على حقوقهم المدنية الكاملة. ينص التعديل الرابع عشر للدستور بوضوح على أن “جميع الأشخاص المولودين أو المجنسين في الولايات المتحدة والخاضعين لولايتها القضائية، هم مواطنون أمريكيون”.

في وقت لاحق من القرن التاسع عشر، توسع نطاق حق المواطنة بالولادة ليشمل أبناء المهاجرين. كانت قضية “وونغ كيم آرك” (Wong Kim Ark) نقطة تحول هامة. بعد أن سُلب منه الحق في العودة إلى الولايات المتحدة إثر سفره إلى الخارج، وهو مواطن ولد على الأراضي الأمريكية لأبوين صينيين، قضت المحكمة العليا في النهاية بأن التعديل الرابع عشر يمنح الجنسية لكل من يولد في الولايات المتحدة، بغض النظر عن الوضع القانوني لوالديه. الاستثناءات لهذا الحق قليلة جدًا حاليًا، وتتمثل بشكل أساسي في الأطفال المولودين لدبلوماسيين أجانب.

حق المواطنة بالولادة حول العالم

الاختلافات حول مفهوم المواطنة بالولادة تتجلى بوضوح عند النظر إلى الأنظمة القانونية حول العالم. تشير التقديرات إلى أن نحو ثلاثين دولة فقط، معظمها في الأمريكتين، تضمن الجنسية التلقائية للأطفال المولودين على أراضيها. وعلى النقيض من ذلك، تعتمد أغلبية دول العالم على مبدأ “حق الدم” (Jus Sanguinis)، حيث تُمنح الجنسية بناءً على جنسية الوالدين، بغض النظر عن مكان الولادة.

على سبيل المثال، لا تمنح أي من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي السبع والعشرين الجنسية التلقائية وغير المشروطة للأطفال المولودين فيها لمواطنين أجانب. وينطبق ذات الوضع في غالبية دول آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا.

نهج الدول المختلطة

تتبنى بعض الدول نماذج مختلطة في تحديد الجنسية، تجمع بين مبادئ مختلفة مثل الولادة، والإقامة، والانتماء العرقي. اتخذت أستراليا، على سبيل المثال، هذا النهج. فإلى غاية عام 1986، كانت تمنح حق المواطنة بالولادة. ولكن اعتبارًا من أغسطس من ذلك العام، أصبح الحصول على الجنسية يتطلب أن يكون أحد الوالدين على الأقل مواطنًا أستراليًا أو مقيمًا دائمًا.

في اتجاه معاكس، قامت ألمانيا بتعديل قوانين الجنسية لديها في عام 2024. قبل ذلك، كان الحصول على الجنسية بالولادة يتطلب أن يكون أحد الوالدين على الأقل ألمانيًا. حاليًا، يُمنح الأطفال المولودون في ألمانيا لأبوين غير ألمانيين الجنسية الألمانية تلقائيًا إذا كان أحد الوالدين يقيم بشكل قانوني في البلاد لأكثر من خمس سنوات ويحمل وضع إقامة غير محدود. وأوضحت الحكومة آنذاك أن هذه التغييرات تأتي استجابة لدراسات أظهرت أن آفاق التعليم للأطفال والمراهقين ذوي الخلفية المهاجرة تتحسن بشكل ملحوظ عندما يحصلون على الجنسية الألمانية بشكل أسرع.

حجة إدارة ترامب

تركز حجة إدارة ترامب، الداعية إلى فرض قيود على حق المواطنة بالولادة في الولايات المتحدة، على تفسير عبارة محددة في التعديل الرابع عشر: “يخضعون لولايتها القضائية” (subject to its jurisdiction). يرى أنصار هذا التفسير أن هذه العبارة تعني أن الحكومة الأمريكية يمكنها حرمان الأطفال المولودين لنساء موجودات في البلاد بشكل غير قانوني من الجنسية.

ومع ذلك، فقد واجه هذا الموقف تحديات قانونية كبيرة. أصدر عدد من القضاة أحكامًا بالرفض ضد الإدارة، وتم تعليق الأمر التنفيذي مرارًا وتكرارًا من قبل المحاكم الأدنى. القضية التي وصلت إلى المحكمة العليا هذا الأربعاء نشأت في نيو هامبشاير، حيث خلص قاضي المقاطعة الأمريكية إلى أن الأمر “ينتهك على الأرجح” الدستور والقوانين الفيدرالية.

المساهمات

ساهمت مراسلة وكالة أسوشييتد برس، كيرستن جريشابر، في إعداد هذا التقرير من برلين.


الخاتمة

تثير مسألة حق المواطنة بالولادة نقاشًا عميقًا حول معنى المواطنة، والهجرة، والتطبيق القانوني للدستور. بينما تسعى إدارة ترامب لتغيير هذا المفهوم الجوهري، تقف المحكمة العليا الآن أمام مسؤولية كبيرة قد تعيد تشكيل الهوية الأمريكية. يبقى الرأي العام والمواقف السياسية متحفزة، وتنتظر نتائج هذه القضية التاريخية التي ستحدد مستقبل الجنسية في الولايات المتحدة.

شاركها.
Exit mobile version