اليمن يشهد تطورات دراماتيكية في الجنوب، حيث أعلن الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي عن تفكيك الجماعة الانفصالية الرئيسية في اليمن ومؤسساتها اعتبارًا من يوم الجمعة. يأتي هذا الإعلان بعد أسابيع من التوترات في مناطق جنوب اليمن، وهروب زعيم المجلس، عيدروس الزبيدي، إلى الإمارات العربية المتحدة. هذه الخطوة تحمل تداعيات كبيرة على مستقبل اليمن المعقد، وتثير تساؤلات حول مسار الحل السياسي.
تفكيك المجلس الانتقالي الجنوبي: خلفية الأحداث
أعلن عبد الرحمن جلال الصبيحي، الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي، عن قرار إغلاق جميع هيئات ومكاتب المجلس داخل اليمن وخارجه، مشيرًا إلى الخلافات الداخلية والضغوط الإقليمية المتزايدة كأسباب رئيسية. هذا القرار لم يلقَ قبولًا من جميع أطراف المجلس، حيث عبر المتحدث باسم المجلس، أنور التميمي، عن رفضه، وأكد أن مثل هذه الخطوة لا يمكن اتخاذها إلا من قبل المجلس الكامل برئاسة الزبيدي.
فشل المجلس في التوحد واتخاذ قرارات موحدة يعكس عمق الانقسامات الداخلية التي تعصف به. اليمن غارق في صراع معقد منذ أكثر من عقد، تتداخل فيه الصراعات الطائفية والقبلية، وتتدخل فيه قوى إقليمية مختلفة. يسيطر الحوثيون، المتحالفون مع إيران، على الجزء الأكبر من شمال البلاد، بما في ذلك العاصمة صنعاء، بينما تدعم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الحكومة المعترف بها دوليًا في الجنوب.
استيلاء قوات الانتقالي على الأراضي ثم التراجع
تصاعدت الأحداث الشهر الماضي مع تقدم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي إلى داخل محافظتي حضرموت والمهرة، والاستيلاء على مناطق غنية بالنفط، بالإضافة إلى القصر الرئاسي في مدينة عدن. هذه التحركات أثارت مخاوف إقليمية، وأدت إلى مواجهة مع القوات التابعة للدرع الوطني اليمني المدعومة من السعودية، والتي اضطرت إلى الانسحاب.
وبعد فترة من التوتر، استعادت القوات الموالية للحكومة اليمنية والمدعومة من السعودية السيطرة على حضرموت والقصر الرئاسي في عدن، بالإضافة إلى المعسكرات في محافظة المهرة. يرى محللون أن هذه التطورات تعكس رغبة الرياض في بسط نفوذها على الجنوب اليمني ومنع أي تهديد لاستقرارها.
الصبيحي أوضح أن العمليات العسكرية التي نفذها المجلس لم تحظَ بموافقة قيادته، وأنها ساهمت في تقويض الوحدة في الجنوب وأضرت بالعلاقات مع التحالف بقيادة السعودية، مما أدى إلى استنتاج مفاده أن استمرار وجود المجلس أصبح غير مجدٍ.
حل المجلس الانتقالي الجنوبي: ترحيب سعودي واحتواء للوضع
يعتبر قرار حل المجلس الانتقالي الجنوبي بمثابة انتصار للسعودية، التي اعتبرت العمليات العسكرية التي قام بها المجلس تهديدًا لأمنها القومي. أعرب وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلمان، عن ترحيبه بالقرار، مشيرًا إلى أنه يضع القضية الجنوبية على “مسار حقيقي برعاية المملكة ودعم المجتمع الدولي”.
محمد الجابر، السفير السعودي لدى اليمن، وصف القرار بـ”الشجاع”، وأعلن أن الرياض ستستضيف مؤتمرًا يضم جميع الشخصيات الجنوبية المؤثرة بهدف التوصل إلى حل سياسي. لم يتم تحديد موعد للمؤتمر حتى الآن، ولكن من المتوقع أن يكون له تأثير كبير على مستقبل الجنوب اليمني.
كما رحب مجلس الشورى اليمني، المدعوم من الحكومة المعترف بها دوليًا، بقرار المجلس الانتقالي الجنوبي، مؤكدًا على ضرورة حل القضية الجنوبية من خلال عملية سياسية شاملة.
الدور الإقليمي وهروب الزبيدي
يعكس التطورات الأخيرة في اليمن صراع النفوذ الإقليمي بين السعودية والإمارات. هروب عيدروس الزبيدي، زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى الإمارات، بعد اتهامه بالخيانة، يؤكد على أن أبو ظبي كانت تلعب دورًا في دعم المجلس، وأنها ربما لم توافق على قرار تفكيكه.
يرى مراقبون أن السعودية تمكنت من احتواء الوضع على الأرض، ومنع تحول التوترات في الجنوب إلى صراع شامل. وقالت عبد السلام محمد، رئيس مركز أبعاد للدراسات والبحوث اليمني: “أثبتت الرياض أنها لن تسمح لأي تدخل خارجي بتغيير خارطة الطريق اليمنية من خلال دعم طرف على آخر، خاصة إذا استخدمت القوة واستمرت الفوضى في تهديد أمن اليمن والمنطقة والعالم”. هذه التصريحات تؤكد على الإصرار السعودي على قيادة جهود السلام في اليمن، والسيطرة على الوضع في الجنوب.
مستقبل الجنوب اليمني والخطوات القادمة
مع حل المجلس الانتقالي الجنوبي، يتركز الاهتمام الآن على مؤتمر الرياض المرتقب، والذي يهدف إلى جمع الشخصيات الجنوبية المؤثرة بهدف التوصل إلى حل سياسي. تعتبر هذه خطوة ضرورية نحو تحقيق السلام والاستقرار في اليمن، ووضع حد للصراع الذي دام أكثر من عقد.
بالنظر إلى التعقيدات السياسية والاجتماعية في اليمن، فإن التوصل إلى حل شامل لن يكون مهمة سهلة. ومع ذلك، فإن الدعم الإقليمي والدولي، والالتزام بالحوار والتفاوض، يمكن أن يساعد في تحقيق تقدم ملموس نحو مستقبل أفضل لليمنيين. المجلس الانتقالي الجنوبي كان يمثل تحديًا للجهود المبذولة لتحقيق السلام، وحله قد يفتح الباب أمام فرصة جديدة لإعادة بناء اليمن.
من المهم متابعة التطورات في اليمن، وفهم التحديات التي تواجه العملية السياسية. الوضع في اليمن لا يزال هشًا، ويتطلب جهودًا متواصلة من جميع الأطراف المعنية لضمان الاستقرار والازدهار. الحل السياسي في اليمن هو السبيل الوحيد لإنهاء المعاناة الإنسانية، وتحقيق السلام الدائم.

