في خضم حالة عدم اليقين التي تعيشها فنزويلا، أحدث إطلاق سراح المعتقلين يوم الخميس بارقة أمل، وإن كانت قصيرة الأمد. لكن حدثًا آخر، أقل انتشارًا، يمثل فرصة حقيقية لتحقيق العدالة، خاصة مع استمرار حكم الرئيس السابق نيكولاس مادورو. يتعلق الأمر بقرار محكمة اتحادية في الأرجنتين بمواصلة التحقيق في جرائم ضد الإنسانية يُزعم أن أفرادًا من الحرس الوطني الفنزويلي ارتكبوها. هذا التحقيق، الذي يرتكز على مبدأ الولاية القضائية العالمية، يبعث برسالة قوية مفادها أن مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان لن يفلتوا من العقاب، حتى لو كانوا يتمتعون بحصانة سياسية في بلدانهم.

الأرجنتين تفتح تحقيقًا في جرائم ضد الإنسانية في فنزويلا

أمرت المحكمة الأرجنتينية السلطات القضائية بمتابعة التحقيق في الاتهامات الموجهة لأفراد من الحرس الوطني الفنزويلي بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. هذا القرار جاء بعد رفض استئناف قدمه ضابط سابق، زعم أن الأرجنتين لا تملك السلطة القضائية لملاحقة المسؤولين الفنزويليين. القضاة الأرجنتينيون أكدوا أن البلاد يمكنها المضي قدمًا في القضية بموجب مبدأ الولاية القضائية العالمية، وهو مبدأ قانوني يسمح بمحاكمة مرتكبي جرائم خطيرة، مثل التعذيب والاغتصاب والقتل الجماعي، بغض النظر عن جنسيتهم أو مكان ارتكاب الجريمة.

هذا القرار يمثل تطورًا هامًا في سعي ضحايا القمع في فنزويلا لتحقيق العدالة. فالعدالة في فنزويلا نفسها تبدو بعيدة المنال في ظل الوضع السياسي الحالي. التحقيق الأرجنتيني يوفر مسارًا بديلاً للمساءلة.

توقيت القرار وأبعاده السياسية

لم يكن توقيت قرار المحكمة الأرجنتينية محض صدفة. فقد جاء بعد فترة قصيرة من القبض على مادورو، وهو ما أثار جدلاً واسعًا على الصعيدين الدولي والمحلي. في البداية، أبدت إدارة ترامب دعمها لعملية القبض والمحاكمة، لكنها سرعان ما فاجأت المراقبين بتأييدها لديلسي رودريغيز، نائبة مادورو، لقيادة المرحلة الانتقالية.

إجناسيو جوفتيس، مدير أمريكا اللاتينية في منظمة InterJust، التي تمثل ثلاثة من المدعين الفنزويليين، أكد أن هذا التوقيت يبعث برسالة واضحة. “لا يمكننا أن نفقد تركيزنا في هذه اللحظة. لا يزال الضحايا في فنزويلا ينتظرون العدالة.” وأضاف أن إطلاق سراح مادورو لا يغير من حقيقة أن هناك حاجة ماسة إلى محاسبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية. العدالة في فنزويلا لا تزال مطلبًا أساسيًا.

الأرجنتين: سابقة في محاكمة الديكتاتوريات

الأرجنتين ليست غريبة عن محاكمة رجال السلطة السابقين. فقد نجحت البلاد في تقديم قادة الديكتاتورية العسكرية الوحشية التي حكمت الأرجنتين من عام 1976 إلى عام 1983 إلى العدالة. خلال تلك الفترة، قُتل أو اختفى ما يصل إلى 30 ألف أرجنتيني، وتعرض الآلاف للتعذيب والاعتقال التعسفي.

تمت محاكمة أكثر من 1200 ضابط سابق في الجيش وحكم عليهم في الأرجنتين، والعديد منهم يقضون أحكامًا بالسجن المؤبد. وهناك المئات الآخرون ينتظرون المحاكمة. هذه التجربة جعلت الأرجنتين رائدة في مجال المساءلة عن الجرائم الدولية.

الولاية القضائية العالمية: نافذة أمل للضحايا

بفضل قانونها الذي يسمح بالتحقيق في قضايا الجرائم ضد الإنسانية خارج حدودها، أصبحت الأرجنتين وجهة رئيسية للضحايا والناشطين الذين يسعون لتحقيق العدالة في قضايا مثل التعذيب في عهد فرانكو في إسبانيا والفظائع التي ارتكبها الجيش ضد مسلمي الروهينجا في ميانمار.

الفنزويليون، الذين يشعرون بالإحباط بسبب الإفلات من العقاب في وطنهم والوتيرة البطيئة للمحكمة الجنائية الدولية، نقلوا مطالبهم بتحقيق العدالة إلى الأرجنتين. الشكوى الجنائية المقدمة تتهم 14 ضابطًا من الحرس الوطني الفنزويلي بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان تعود إلى عام 2014، عندما قامت قوات الأمن بقمع الاحتجاجات المناهضة للحكومة بقوة. حقوق الإنسان في فنزويلا هي محور هذا التحقيق.

تحديات المساءلة ومستقبل القضية

على الرغم من التطورات الإيجابية، لا تزال هناك تحديات كبيرة تواجه تحقيق العدالة في فنزويلا. فالرئيس المخلوع مادورو وعدد من كبار المسؤولين لا يزالون في السلطة، مما يجعل من الصعب القبض عليهم وتسليمهم إلى الأرجنتين.

إضافة إلى ذلك، هناك تساؤلات حول الموقف الجديد للرئيس الأرجنتيني خافيير مايلي، الذي أيد في السابق المعارضة الفنزويلية، ولكنه أظهر ترحيبًا بإطلاق سراح مادورو. فقد حذف مايلي أي ذكر للديمقراطية من التصريحات الرسمية للأرجنتين بشأن فنزويلا، وركز بدلاً من ذلك على “التعاون لمواجهة إرهاب المخدرات”.

ومع ذلك، يظل المحامون والناشطون مصممين على المضي قدمًا في القضية. “بالنسبة لنا، هذا ليس تحقيقًا رمزيًا. نريد أن يمثل الجناة أمام قاض أرجنتيني وأن يحاكموا هنا”، قال جوفتيس.

في النهاية، يمثل التحقيق الأرجنتيني بصيص أمل لضحايا القمع في فنزويلا. إنه يرسل رسالة واضحة مفادها أن مرتكبي جرائم ضد الإنسانية لن يفلتوا من العقاب، وأن العدالة يمكن أن تتحقق حتى في ظل أصعب الظروف. هذا التحقيق يذكرنا بأهمية المساءلة القانونية في بناء مجتمع عادل وديمقراطي.

شاركها.
Exit mobile version