في خطوة تعكس تشديدًا ملحوظًا على مكافحة تهريب المخدرات في منطقة البحر الكاريبي، أعلن الرئيس الدومينيكاني لويس أبينادر السماح للقوات الأمريكية بالعمل داخل الأجواء والمياه الإقليمية المحظورة لجمهورية الدومينيكان. يأتي هذا الإعلان في سياق جهود مشتركة لمواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتحديدًا شبكات تهريب المخدرات التي تستغل المنطقة كمعبر رئيسي. هذا التعاون الجديد، الذي يركز بشكل أساسي على الدعم اللوجستي والتقني، يمثل تطورًا هامًا في العلاقة بين البلدين، ويضع جمهورية الدومينيكان في قلب مكافحة المخدرات الإقليمية.
تعاون استراتيجي في قلب الكاريبي
الخطوة التي اتخذها الرئيس أبينادر تسمح للولايات المتحدة بإعادة تزويد الطائرات والمعدات الفنية بالوقود داخل المناطق المحظورة، وتحديدًا في قاعدة سان إيسيدرو الجوية ومطار لاس أميريكاس الدولي. وقد جاء هذا الإعلان خلال لقاء جمع الرئيس أبينادر بوزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث، الذي زار سانتو دومينغو لمناقشة سبل تعزيز التعاون الأمني.
وزير الدفاع الأمريكي أكد أن جمهورية الدومينيكان تعتبر “زعيمة إقليمية” مستعدة لمواجهة التحديات الصعبة، مشيدًا بالدور المتزايد الذي تلعبه في مكافحة الجريمة المنظمة. وأشار إلى أن الولايات المتحدة تحترم سيادة جمهورية الدومينيكان وقوانينها، وأن عملياتها ستتم بالتنسيق الكامل مع السلطات المحلية.
تفاصيل الاتفاق وأهدافه
وصف الرئيس أبينادر الاتفاق بأنه “تقني ومحدود ومؤقت”، مؤكدًا أن الهدف الرئيسي هو “تعزيز حلقة الحماية الجوية والبحرية التي تحتفظ بها قواتنا المسلحة”. وأوضح أن هذا التعزيز يمثل خطوة حاسمة لمنع دخول المخدرات إلى البلاد، وتوجيه ضربة أكثر فعالية ضد الجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وبحسب بيان صادر عن مكتب الرئيس، فإن الاتفاق يتضمن نشر عدة طائرات ناقلة من طراز KC-135 لتقديم الدعم اللوجستي لمهام الدوريات الجوية. بالإضافة إلى ذلك، ستوفر طائرات الشحن C-130 هيركوليز خدمات الإخلاء الطبي الجوي، ومكافحة الحرائق، واستطلاع الطقس، وتقديم المساعدة في حالات الكوارث. هذا الدعم اللوجستي المتنوع يعزز بشكل كبير قدرات جمهورية الدومينيكان في مجال الأمن والدفاع، ويساهم في تحقيق الاستقرار الإقليمي.
جهود متصاعدة لمواجهة تهريب المخدرات
يأتي هذا الاتفاق في ظل جهود متصاعدة من قبل الولايات المتحدة لمكافحة تهريب المخدرات في منطقة البحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية. فمنذ بداية شهر سبتمبر الماضي، كثفت القوات الأمريكية عملياتها ضد قوارب تهريب المخدرات، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 83 شخصًا.
وتشير بعض التقارير إلى أن هذه العمليات قد تكون جزءًا من استراتيجية أوسع تهدف إلى الضغط على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، حيث يعتقد أن الجيش الأمريكي يسعى إلى تعزيز حضوره في المنطقة.
دعم دولي وتحديات مستقبلية
لم تقتصر جهود الولايات المتحدة على جمهورية الدومينيكان، بل امتدت لتشمل دولًا أخرى في المنطقة. ففي اليوم السابق لزيارة هيجسيث لجمهورية الدومينيكان، التقى الجنرال دان كين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية، برئيسة وزراء ترينيداد وتوباغو كاملا بيرساد بيسيسار. وقد أشاد رئيس الوزراء بالضربات الأمريكية، مما أثار بعض الانتقادات.
وفي سياق متصل، تقدمت الولايات المتحدة بطلب إلى جزيرة غرينادا الصغيرة للسماح بتركيب رادار مؤقت في المطار الدولي بالجزيرة. وأكد رئيس وزراء غرينادا ديكون ميتشل أن أي قرار سيتم اتخاذه لن يكون سريًا، ولن ينتهك القوانين المحلية أو الدولية.
مكافحة المخدرات.. ضرورة إقليمية
أكد الرئيس أبينادر أن بلاده تواجه “تهديدًا حقيقيًا” يتمثل في الاتجار بالمخدرات، مشيرًا إلى أن جمهورية الدومينيكان استولت على كميات من المخدرات خلال السنوات الخمس الماضية تزيد بنحو عشرة أضعاف مما كانت تستولي عليه في العقد السابق، وذلك بفضل التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة. وأضاف أن “هذا التهديد لا يعرف حدودًا ولا أعلامًا، ويدمر العائلات، ويحاول استخدام أراضينا منذ عقود”.
ويؤكد خبراء الأمن أن مكافحة المخدرات تتطلب تعاونًا إقليميًا ودوليًا وثيقًا، وأن أي دولة لا يمكنها مواجهة هذا التحدي بمفردها. التعاون الأمني مع الولايات المتحدة، بالإضافة إلى جهود مكافحة الجريمة المنظمة، يمثل ركيزة أساسية لحماية الأمن القومي لجمهورية الدومينيكان، وتعزيز الاستقرار في منطقة البحر الكاريبي. كما أن تعزيز القدرات الأمنية، وتوفير الدعم اللوجستي، يعتبران من العوامل الهامة في تحقيق النجاح في هذه المهمة.
مستقبل التعاون الأمني
من المتوقع أن يستمر التعاون الأمني بين جمهورية الدومينيكان والولايات المتحدة في التطور، مع التركيز على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتدريب القوات، وتوفير المعدات اللازمة لمواجهة التحديات الأمنية المتزايدة. هذا التعاون لا يقتصر على مكافحة المخدرات فحسب، بل يمتد ليشمل مجالات أخرى مثل مكافحة الإرهاب، والجرائم السيبرانية، والاتجار بالبشر.
الاستثمار في الأمن والاستقرار الإقليمي يمثل مصلحة مشتركة لجميع الدول المعنية، ويساهم في تحقيق التنمية المستدامة والازدهار الاقتصادي. ومن خلال العمل معًا، يمكن لجمهورية الدومينيكان والولايات المتحدة وحلفائهما الآخرين بناء مستقبل أكثر أمانًا واستقرارًا لمنطقة البحر الكاريبي.

