بعد التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا، قللت الحكومة المكسيكية والمحللون من احتمال قيام الولايات المتحدة بعمل عسكري أحادي ضد عصابات المخدرات المكسيكية، رغم تهديدات الرئيس دونالد ترامب المتزايدة. هذا التهديد، الذي يثير قلقًا واسعًا، يطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين البلدين واستراتيجيات مكافحة الجريمة المنظمة. يرى العديد من المراقبين أن المكسيك ليست فنزويلا، وأن هناك عوامل جيوسياسية واقتصادية تجعل التدخل العسكري الأمريكي المباشر أمرًا غير مرجح، على الرغم من عدم استبعاد أي سيناريو بشكل قاطع.
تهديدات ترامب والردود المكسيكية: تحليل للوضع
أثارت تصريحات الرئيس ترامب الأخيرة حول إمكانية استخدام القوة العسكرية ضد عصابات المخدرات في المكسيك جدلاً واسعًا. وقد أكدت الرئيسة المكسيكية كلوديا شينباوم مرارًا على عدم وجود مخاطر حقيقية لحدوث غزو أمريكي، مشيرة إلى وجود تنسيق وتعاون مستمر بين الحكومتين. وتؤكد شينباوم على أن الجريمة المنظمة لا يمكن معالجتها بالتدخل العسكري الأجنبي، وأن علاقتها مع ترامب مبنية على الاحترام المتبادل. ومع ذلك، يرى المحللون أن هذه التهديدات ليست سوى “سلاح تفاوضي” تهدف إلى انتزاع تنازلات من المكسيك في مجالات التجارة والدبلوماسية والسياسة.
لماذا المكسيك ليست فنزويلا؟
يكمن الفرق الجوهري بين المكسيك وفنزويلا في عدة عوامل. أولاً، تتمتع شينباوم بشعبية واسعة وهي رئيسة منتخبة بشكل شرعي، مما يمنحها مصداقية داخلية وخارجية. ثانيًا، تعتبر المكسيك الشريك التجاري الرئيسي للولايات المتحدة، حيث يعيش حوالي 40 مليون مكسيكي في الولايات المتحدة. هذه الروابط الاقتصادية القوية تجعل التدخل العسكري الأمريكي أمرًا مكلفًا للغاية وله تداعيات سلبية على كلا البلدين. ثالثًا، تشير السفيرة المكسيكية السابقة لدى الولايات المتحدة، مارثا بارسينا، إلى وجود تعاون رفيع المستوى بين البلدين، وهو ما يدركه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
التهديدات كأداة تفاوض: لعبة “الشرطي الجيد والشرطي السيئ”
منذ حملته الانتخابية، لم يتوان ترامب ومعاونوه عن التلميح إلى إمكانية غزو أو مهاجمة العصابات في المكسيك. لكن هذه التصريحات ازدادت حدة في الآونة الأخيرة. وتؤكد شينباوم أن فكرة التدخل العسكري الأمريكي طُرحت مرارًا في محادثاتها مع ترامب، لكنها رفضت العرض دائمًا. ويرى المحلل الأمني المكسيكي ديفيد سوسيدو أن ترامب وروبيو يلعبان دور “الشرطي الجيد والشرطي السيئ”، حيث يهدد ترامب بينما يخفف روبيو من حدة التوتر. هذه الاستراتيجية تهدف إلى الضغط على المكسيك لتقديم المزيد من التنازلات.
استجابة المكسيك لمطالب واشنطن
منذ تولي ترامب السلطة، استجابت المكسيك لمعظم مطالب واشنطن، بما في ذلك فرض التعريفات الجمركية. أصبحت إدارة شينباوم أكثر عدوانية تجاه العصابات من سابقتها، وشهدت البلاد زيادة في الاعتقالات ومصادرة المخدرات وتسليم المجرمين. كما وافقت المكسيك على استقبال المزيد من المرحلين من دول أخرى. ويقول كارلوس بيريز ريكارت، المحلل السياسي في المركز المكسيكي للأبحاث الاقتصادية والتعليم (CIDE)، إن التدخل أو العمل العسكري في المكسيك سيعيق هذا التعاون، مما يشكل خطرًا كبيرًا على الولايات المتحدة لأنها ستفقد شريكًا مهمًا في مكافحة الجريمة.
مستقبل العلاقات بين المكسيك والولايات المتحدة: المزيد من الضغوط قادمة؟
يتوقع المحللون أن تستمر التهديدات الأمريكية كأداة تفاوض، خاصة مع اقتراب مراجعة اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والمكسيك وكندا (USMCA). قد يطالب ترامب بمزيد من الوصول لوكالات الأمن الأمريكية، حتى لو تم تقديم العمليات علنًا على أنها منسقة وتنفيذها من قبل المكسيك. كما يمكنه الضغط على المكسيك لحملها على اعتقال المزيد من الشخصيات البارزة أو وقف تصدير النفط إلى كوبا، أو التهديد بفرض تعريفات جمركية جديدة. ويؤكد أرتورو ساروخان، السفير المكسيكي السابق لدى الولايات المتحدة، على ضرورة أن تكون الحكومة المكسيكية دقيقة للغاية في موقفها وبياناتها في ظل هذه الظروف.
التحديات الداخلية: الفساد والجريمة المنظمة
بالإضافة إلى الضغوط الخارجية، تواجه المكسيك تحديات داخلية كبيرة، وعلى رأسها الفساد السياسي المرتبط بالجريمة المنظمة. ويؤكد الدبلوماسي بارسينا على أن المكسيك بحاجة إلى معالجة هذه المشكلة مع الاستمرار في الدفاع عن القانون الدولي. إن مكافحة الفساد وتعزيز سيادة القانون هما مفتاح بناء مستقبل مستقر وآمن للمكسيك.
في الختام، على الرغم من أن التدخل العسكري الأمريكي المباشر في المكسيك يبدو غير مرجح في الوقت الحالي، إلا أنه لا يمكن استبعاده تمامًا. فالولايات المتحدة لا تعمل دائمًا وفقًا للمنطق العقلاني، وكل الاحتمالات مفتوحة. من المرجح أن تستمر التهديدات الأمريكية كأداة تفاوض، مما يتطلب من الحكومة المكسيكية الحذر والدقة في تعاملها مع هذه التحديات. العلاقات بين المكسيك والولايات المتحدة تعتبر حاسمة لمستقبل المنطقة، ويتطلب الحفاظ عليها تعاونًا متبادلًا واحترامًا للسيادة. مكافحة المخدرات تظل أولوية مشتركة، ولكن يجب أن تتم من خلال استراتيجيات شاملة تعالج الأسباب الجذرية للجريمة وتعزز سيادة القانون. التعاون الأمني بين البلدين ضروري، ولكن يجب أن يكون مبنيًا على الثقة والاحترام المتبادل.

