في تطور يلقي الضوء على سنوات من الصراع والجهود المبذولة لتحقيق السلام في كولومبيا، حكمت محكمة على الزعيم شبه العسكري السابق سلفاتوري مانكوسو بالسجن لمدة 40 عامًا. يأتي هذا الحكم بسبب جرائم خطيرة ارتكبت ضد مجتمعات السكان الأصليين في منطقة لاغواخيرا، بما في ذلك القتل والاختفاء القسري والتهجير القسري بين عامي 2002 و 2006. هذا القرار يمثل لحظة حاسمة في سعي كولومبيا للتعامل مع إرث العنف، ولكنه أيضًا يفتح الباب أمام إمكانية تخفيف العقوبة من خلال التعاون في جهود الحقيقة والتعويض.

من هو سلفاتوري مانكوسو وإرث قوات الدفاع الذاتي المتحدة؟

سلفاتوري مانكوسو، البالغ من العمر 61 عامًا، هو شخصية محورية في تاريخ الجماعات شبه العسكرية الكولومبية. أعيد مانكوسو إلى كولومبيا في عام 2024 بعد قضاء فترة طويلة في السجن في الولايات المتحدة بتهم تتعلق بتهريب المخدرات. قبل ذلك، كان أحد القادة الرئيسيين لقوات الدفاع الذاتي المتحدة في كولومبيا (AUC) في أواخر التسعينيات.

قوات الدفاع الذاتي المتحدة، أو AUC، تأسست في الأصل بهدف حماية ملاك الأراضي من هجمات الجماعات المتمردة اليسارية، مثل القوات المسلحة الثورية الكولومبية (FARC). ومع ذلك، سرعان ما توسعت أنشطتها لتشمل انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان، مما أدى إلى اتهامها بقتل المئات من المدنيين الأبرياء.

الحكم على مانكوسو والجرائم المرتكبة في لاغواخيرا

أصدرت المحكمة الخاصة التي تتعامل مع قضايا النزاع المسلح في كولومبيا حكمها القاسي على مانكوسو، معلنةً مسؤوليته عن 117 جريمة ارتكبها مقاتلوه في لاغواخيرا. تعتبر هذه المنطقة، ذات الأهمية الكبيرة للسكان الأصليين، مسرحًا لبعض أسوأ فظائع الصراع الكولومبي.

تشمل الجرائم الموجهة إليه القتل العمد، والاختفاء القسري، والتهجير القسري للسكان، وهي جرائم تركت ندوبًا عميقة في المجتمعات المحلية. يعكس هذا الحكم محاولة جادة لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات وتقديم العدالة للضحايا.

إمكانية تخفيف العقوبة من خلال التعاون

على الرغم من قسوة الحكم، إلا أن المحكمة فتحت بابًا أمام إمكانية تخفيفه. يمكن تقليل عقوبة سلفاتوري مانكوسو إلى ثماني سنوات فقط إذا أظهر تعاونًا كاملاً مع أنشطة الحقيقة والتعويضات التي تهدف إلى مساعدة ضحايا الجماعات شبه العسكرية التي كان يقودها.

هذا الشرط يعكس إدراكًا متزايدًا بأن تحقيق السلام الدائم يتطلب ليس فقط العقاب، بل أيضًا الاعتراف بالجرائم الماضية وتقديم التعويضات للضحايا. التعاون الكامل من مانكوسو قد يوفر معلومات قيمة حول أماكن الجثث، وتحديد المسؤولين الآخرين عن الانتهاكات، والمساعدة في جهود المصالحة.

سياق أوسع: عملية السلام في كولومبيا والجيل الثاني من الميليشيات

يأتي هذا الحكم في سياق عملية سلام معقدة ومستمرة في كولومبيا. لقد شهدت البلاد عقودًا من الصراع الداخلي الذي أودى بحياة ما لا يقل عن 450 ألف شخص بين عامي 1985 و 2018، وفقًا لتقرير صادر عن لجنة الحقيقة في عام 2022. شمل الضحايا مدنيين ومقاتلين متمردين وجنودًا وأعضاء في الجماعات شبه العسكرية.

اتفاق السلام التاريخي الذي تم التوصل إليه مع أكبر مجموعة متمردة، فارك، في عام 2016، يمثل خطوة مهمة نحو إنهاء العنف. ومع ذلك، لا يزال التحدي قائمًا في التعامل مع الجماعات المسلحة الأخرى، بما في ذلك الجيل الثاني من الميليشيات اليمينية التي ظهرت بعد حل قوات الدفاع الذاتي المتحدة.

من بين هذه الجماعات، تبرز “عشيرة الخليج” (Clan del Golfo)، وهي منظمة تضم حوالي 10 آلاف مقاتل وتواصل ممارسة العنف والتهديد في مناطق مختلفة من البلاد. الحكومة الكولومبية حاليًا منخرطة في محادثات سلام مع عشيرة الخليج، وقد وقع الجانبان اتفاقًا في قطر في ديسمبر/كانون الأول يسمح للمقاتلين بالتجمع في معسكرات مخصصة دون خوف من الملاحقة القضائية أثناء المحادثات.

دور مانكوسو كميسر سلام محتمل

في خطوة مثيرة للجدل، أطلق الرئيس الكولومبي جوستافو بيترو على مانكوسو لقب “ميسر السلام” عند عودته إلى البلاد. تهدف هذه التسمية إلى تمكين مانكوسو من العمل كوسيط في المحادثات مع الجماعات المسلحة الأخرى، مستفيدًا من معرفته وخبرته في هذا المجال.

يثير هذا القرار تساؤلات حول مدى ملاءمة إشراك شخص متهم بجرائم خطيرة في عملية السلام. ومع ذلك، يرى البعض أن مانكوسو قد يكون قادرًا على لعب دور بناء من خلال تقديم رؤى فريدة حول ديناميكيات الجماعات المسلحة وتشجيعها على التفاوض.

في الختام، يمثل الحكم على سلفاتوري مانكوسو علامة فارقة في سعي كولومبيا لتحقيق العدالة والسلام. بينما يمثل الحكم القاسي اعترافًا بفظائع الماضي، فإن إمكانية تخفيف العقوبة من خلال التعاون تفتح الباب أمام مستقبل أكثر إشراقًا. يبقى أن نرى ما إذا كان مانكوسو سيغتنم هذه الفرصة للمساهمة في عملية السلام، وما إذا كانت المحادثات مع عشيرة الخليج ستؤدي إلى حل دائم للصراع في كولومبيا. هذه التطورات تستحق المتابعة الدقيقة، حيث أنها تشكل مستقبل البلاد.

شاركها.
Exit mobile version