سباق الطاقة: حرب الفواتير بين عمالقة التكنولوجيا والمواطنين العاديين

هاريسبرج، بنسلفانيا – يشهد المشهد السياسي الأمريكي تحولاً لافتاً، حيث يتفق سياسيون من مختلف الأطياف، بدءاً من الرئيس السابق دونالد ترامب وصولاً إلى المشرعين المحليين، على قضية واحدة: ضرورة تحميل شركات التكنولوجيا الكبرى مسؤولية دفع الفاتورة الباهظة للكهرباء اللازمة لتشغيل مراكز البيانات الضخمة التي باتت عصب الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، فإن هذا التقارب النادر قد لا يتجاوز مجرد الاتفاق المبدئي، فالتفاصيل والخلافات تكمن خلف الأبواب المغلقة.

تتشابك مسألة تكاليف تشغيل مراكز البيانات بشكل متزايد مع مخاوف المواطنين بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة، وهي القضية المحورية التي تلقي بظلالها على الانتخابات النصفية القادمة. ورغم تعهد عمالقة التكنولوجيا بدفع “حصتهم العادلة”، إلا أن معنى هذا المصطلح لا يزال غامضاً ومثيراً للجدل.

“الحصة العادلة” مصطلح فضفاض يسمح للصناعة بالتهرب من مسؤولياتها، فكل طرف يفسره بطريقته الخاصة،” كما يوضح آري بيسكو، مدير مبادرة قانون الكهرباء بجامعة هارفارد. هذا التحول في الموقف يأتي كرد فعل على الغضب المتزايد في المدن التي تعاني من ارتفاع فواتير الكهرباء بسبب الطلب المتزايد لهذه المراكز.

ذعر الطاقة: كيف تلتهم مراكز البيانات مواردنا؟

تنتشر مراكز البيانات كالنار في الهشيم في جميع أنحاء الولايات المتحدة، مدفوعة بالسباق المحموم لتلبية الطلب العالمي على منتجات الذكاء الاصطناعي التوليدي، مثل روبوتات الدردشة. هذه المباني العملاقة، التي تشبه المستودعات الضخمة، تستهلك من الطاقة ما يفوق استهلاك مدن صغيرة بأكملها.

إن هذا الطلب الهائل على الكهرباء يمكن أن يخلق تأثيراً مضاعفاً يرفع الأسعار على الجميع. فعندما تجد المرافق نفسها مضطرة لبناء محطات طاقة جديدة أو خطوط نقل إضافية لتلبية هذا الطلب، فإن التكلفة غالباً ما يتم توزيعها على جميع دافعي الضرائب، بمن فيهم المواطنون العاديون.

وتتفاقم هذه المخاوف مع القلق المتزايد بشأن تكاليف المعيشة بشكل عام، ونفوذ شركات التكنولوجيا القوي، والتأثير المستقبلي للذكاء الاصطناعي على المجتمع. وعلى الرغم من أن الرئيس السابق ترامب قد أشار إلى ضرورة أن تدفع مراكز البيانات “تكاليفها بنفسها”، إلا أن تصريحات أخرى من إدارته، على لسان وزير الطاقة كريس رايت، تزعم أن هذه المراكز لا تضخم فواتير الكهرباء، وهو ما يتعارض مع آراء المدافعين عن المستهلكين والمحللين المستقلين.

الولايات تتحرك: نحو تنظيم عادل لمراكز البيانات

لم تقف الولايات والمرافق مكتوفة الأيدي أمام هذا التحدي. بدأت بعض الولايات في تطبيق تدابير لضمان تحمل شركات التكنولوجيا لجزء أكبر من التكاليف. تشمل هذه التدابير إلزام شركات التكنولوجيا بشراء الكهرباء بموجب عقود طويلة الأجل، وتحمل تكاليف بناء محطات الطاقة وتحديثات شبكات النقل اللازمة، وتقديم دفعات مقدمة كبيرة لتغطية النفقات المحتملة في حال انسحابها أو إفلاسها.

ومع ذلك، يرى المحللون أن هذه القواعد قد لا تكون كافية لمعالجة المشكلة قصيرة المدى المتمثلة في الطلب الكبير على الكهرباء الذي يفوق قدرة البنية التحتية على التوسع. “السؤال الحقيقي هو، ماذا نفعل عندما تستطيع شركات التكنولوجيا الكبرى، بفضل الأرباح الهائلة التي تحققها مراكز البيانات، ببساطة المزايدة على الموارد المتاحة للحصول على الطاقة على المدى القصير؟” تتساءل آبي سيلفرمان، الباحثة في مجال الطاقة بجامعة جونز هوبكنز.

يدعو بعض المدافعين عن حقوق المستهلكين إلى ضرورة أن تشمل “الحصة العادلة” لشركات التكنولوجيا أيضاً التكلفة المتزايدة للكهرباء، أو معدات الشبكة، أو حتى الوقود الأحفوري الذي يساهم في توليد الطاقة.

في ولاية أوريغون، على سبيل المثال، تسعى مجموعة مناصرة للمستهلكين إلى معارضة خطة أكبر شركة مرافق في الولاية، بورتلاند جنرال إلكتريك، بشأن كيفية تطبيق قانون جديد يهدف إلى حماية دافعي الضرائب الصغار من تكاليف الطاقة المتعلقة بمراكز البيانات. وفي الوقت نفسه، يحذر المدافعون عن المستهلكين في ولايات أخرى من أن المرافق قد تحاول تحميل تكاليف الإنشاءات التي تخدم مراكز البيانات على فواتير المستهلكين العاديين.

ردود الفعل السياسية: صراع على المسؤولية والتكاليف

تعهدت المرافق بأن أسعار الكهرباء ستظل عادلة، ولكن في بعض المناطق، يبدو أن الوقت قد فات. في منطقة الشبكة بمنطقة وسط المحيط الأطلسي، ربط المدافعون عن المستهلكين والمحللون زيادات الأسعار بمليارات الدولارات التي تم استثمارها في مراكز البيانات، مما أثر بشكل مباشر على فواتير الأمريكيين.

في غضون ذلك، تتوالى التشريعات في الكونغرس ومجالس الولايات لتنظيم مراكز البيانات. يسعى الديمقراطيون إلى توفير رعاة جمهوريين لمشاريع قوانينهم، بينما يقترح مشرعون في عدد من الولايات فرض وقف لإنشاء مراكز بيانات جديدة، ووضع قواعد لحماية دافعي الضرائب، واستهداف الإعفاءات الضريبية التي تستفيد منها هذه المراكز.

حتى المحافظون، الذين كانوا في السابق حريصين على جذب استثمارات مراكز البيانات، باتوا يرفعون أصواتهم. حاكمة ولاية أريزونا، كيتي هوبز، وهي ديمقراطية تسعى لإعادة انتخابها، اقترحت فرض رسوم على استخدام المياه من قبل مراكز البيانات، وإلغاء الإعفاءات الضريبية التي تقدمها معظم الولايات. ووصفت ذلك بأنه “صدقة شركات” تبلغ قيمتها 38 مليون دولار.

“لقد حان الوقت لجعل صناعة مراكز البيانات المزدهرة تعمل لصالح شعب ولايتنا، وليس العكس،” قالت هوبز في خطاب حالة الولاية.

اتهامات متبادلة: من المسؤول عن ارتفاع تكاليف الطاقة؟

من المتوقع أن تستمر تكاليف الطاقة في الارتفاع، ويتهم الجمهوريون في واشنطن السياسات الليبرالية للطاقة التي تفضل الطاقة المتجددة، زاعمين أنها تسببت في ارتفاع تكاليف النقل وضعف الإمدادات.

“الأمريكيون لا يدفعون أسعاراً أعلى بسبب مراكز البيانات. هناك تصور بذلك، وأنا أتفهمه، لكنه ليس صحيحاً في الواقع،” قال وزير الطاقة في إدارة ترامب، كريس رايت.

وظهر هذا الصراع جلباً في جلسة استماع لمجلس النواب الأمريكي، حيث شجع الجمهوريون على تسريع بناء خطوط أنابيب الغاز الطبيعي، بينما دافع الديمقراطيون عن الطاقة المتجددة ودعوا إلى الحد من أرباح المرافق.

أكدت رئيسة اللجنة الفيدرالية لتنظيم الطاقة، لورا سويت، أنها تعتقد أن مشغلي مراكز البيانات على استعداد لتغطية تكاليفهم. لكن النائب جريج لاندسمان رد قائلاً: “هذه لم تكن تجربتنا. المشاريع في منطقتي تحصل على إعفاءات ضريبية، وتتجنب معارضة المجتمع، وتكلف الناس أموالاً. في النهاية، أعتقد أنه يتعين علينا أن نصل إلى مكان يدفعون فيه كل شيء.”


تواجه قضية مراكز البيانات العميقة تحديات كبيرة، سواء من الناحية التنظيمية أو الاقتصادية. وبينما تتشابك المصالح وتتضارب الآراء، يبقى السؤال الأهم: هل سيتمكن السياسيون والمشرعون من إيجاد حلول عادلة تضمن عدم تحمل المواطنين العاديين لعبء تكاليف الطاقة الباهظة لمستقبل رقمي مزدهر؟

شاركها.
Exit mobile version