خيرسون، أوكرانيا (AP) – عندما تغادر أولينا هورلوفا منزلها أو تقود سيارتها عبر مدينة خيرسون بجنوب أوكرانيا، تخشى أن تكون هدفًا. تعتقد أن طائرات بدون طيار روسية يمكن أن تنتظر على أسطح المنازل، على طول الطريق، أو تستهدف سيارتها. ولحماية نفسها وابنتيها، تبقى الفتاتان في الداخل، بينما تظل هي في حالة تأهب دائم، وأحيانًا تعود إلى المنزل ليلاً على طول الطرق المظلمة دون مصابيح أمامية، لتجنب اكتشافها. بعد العيش تحت الاحتلال، ورفضها التعاون مع القوات الروسية والاختباء منها، وجدت هورلوفا، مثل العديد من سكان المدينة، أن المحنة لم تنتهِ حتى بعد تحرير خيرسون في عام 2022.

خطر “رحلات السفاري البشرية” في خيرسون

خيرسون أصبحت من أوائل الأماكن التي بدأت فيها القوات الروسية استخدام طائرات بدون طيار قصيرة المدى من منظور الشخص الأول (FPV) بشكل ممنهج ضد المدنيين. هذه الطائرات مجهزة بكاميرات بث مباشر تتيح للمشغلين رؤية واختيار أهدافهم في الوقت الفعلي. سرعان ما انتشر هذا التكتيك ليشمل ما يزيد عن 300 كيلومتر على طول الضفة اليمنى لنهر دنيبرو، وامتد ليشمل مناطق دنيبروبتروفسك وخيرسون وميكوليف.

السكان المحليون والجيش يصفون الواقع في المنطقة بأنه “رحلات سفاري بشرية”، وهي ساحة اختبار قاسية غالبًا ما يكون الناس فيها هدفًا لهجمات الطائرات بدون طيار. هورلوفا، التي تعيش في قرية كوميشاني على بعد أربعة كيلومترات من نهر دنيبرو، تؤكد أن الوضع لم يتحسن كثيرًا حتى بعد استعادة القوات الأوكرانية للمدينة في نوفمبر 2022، بعد حوالي تسعة أشهر من الغزو الروسي الشامل.

استهداف ممنهج للمدنيين وتهديد مستمر

تصف هورلوفا كيف أن الطائرات بدون طيار غالبًا ما تهبط على أسطح المنازل عندما تنفد بطارياتها، ثم تنتظر لحظة ظهور شخص أو سيارة أو حتى راكب دراجة، لتنطلق فجأة وتسقط مادتها المتفجرة. الوضع تفاقم حتى أنهم بدأوا في إسقاط المتفجرات على الحيوانات مثل الأبقار والماعز. هذا الاستهداف المتعمد للمدنيين تعتبره هورلوفا نوعًا من “الانتقام” بسبب الاحتفالات التي اندلعت بعد تحرير المدينة.

تقرير صادر عن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن أوكرانيا في أكتوبر الماضي أكد أن هذه الهجمات تنشر الرعب بين المدنيين وتنتهك حقوقهم الأساسية في الحياة. ووجدت اللجنة أن الوحدات الروسية على الضفة اليسرى المحتلة من نهر دنيبرو نفذت الضربات بشكل منهجي، وحددت الوحدات والأفراد والقيادات المشاركة في تشغيل الطائرات بدون طيار. الأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن قنوات Telegram الروسية تشارك بشكل روتيني مقاطع فيديو للهجمات، مع تعليقات ساخرة وتهديدات بشن المزيد من الهجمات.

تحقيق الأمم المتحدة والتحديات التي تواجهه

بينما تحقق الأمم المتحدة في الادعاءات بشن القوات الأوكرانية هجمات بطائرات بدون طيار على المدنيين في المناطق المحتلة، إلا أنها تواجه صعوبات كبيرة في إكمال تحقيقاتها. يعود ذلك إلى عدم القدرة على الوصول إلى المناطق المحتلة، وضمان سلامة الشهود، والأهم من ذلك، عدم تلقي أي إجابات من السلطات الروسية.

جهود الدفاع الجوي وارتفاع عدد الضحايا

تُظهر الاعتراضات التي حصلت عليها وكالة أسوشيتد برس من كتيبة الحرب الإلكترونية البحرية المنفصلة 310، أن الطائرات بدون طيار الروسية من طراز FPV غالبًا ما تستهدف المركبات. تظهر مقاطع الفيديو هذه الطائرات تحلق على ارتفاع منخفض فوق الطرق وتلتصق بالسيارات المتحركة أو المتوقفة، بما في ذلك الشاحنات الصغيرة وسيارات الإمداد وسيارات السيدان وحتى سيارات الإسعاف، قبل الغوص لشن ضربة.

دميترو لياشوك، قائد الكتيبة 310 التي تحمي السماء على مساحة واسعة من جنوب أوكرانيا، بما في ذلك خيرسون، يقول إن ما لا يقل عن 300 طائرة بدون طيار تحلق باتجاه المدينة يوميًا. في شهر أكتوبر وحده، تم رصد 9000 طائرة بدون طيار فوق خيرسون. يصف لياشوك المنطقة بأنها “ساحة تدريب” للقوات الروسية، حيث يتم إرسال أطقم جديدة لاكتساب الخبرة قبل نشرها في أماكن أخرى. وعلى الرغم من العدد الهائل من الطائرات بدون طيار، تدعي قواته أنها تمكنت من تحييد أكثر من 90% منها.

هجمات الطائرات بدون طيار أصبحت السبب الرئيسي للمخاوف وارتفاع عدد القتلى والجرحى بين المدنيين بالقرب من خط المواجهة. السلطات المحلية ذكرت أن أكثر من 200 مدني قُتلوا وأكثر من 2000 آخرين أصيبوا منذ يوليو 2024 في ثلاث مناطق جنوبية، وأن معظم الضحايا من الرجال، وتشير التقديرات إلى تضرر أو تدمير حوالي 3000 منزل.

شهادات مؤثرة من ضحايا خيرسون

خلال زيارة مفاجئة لخيرسون في نوفمبر الماضي، وصفت أنجلينا جولي التهديد الجوي المستمر بأنه “وجود كثيف”. وكتبت على إنستغرام أنها اضطرت إلى التوقف والانتظار بسبب طائرة بدون طيار كانت تحلق في السماء، وأنها كانت ترتدي ملابس واقية، بينما تعيش العائلات هنا مع هذا الخطر يوميًا.

في أحد المستشفيات الرئيسية في خيرسون، تلتقي وكالة أسوشيتد برس بناثاليا نوموفا (70 عامًا)، والتي تتعافى من إصابتها بضربة من طائرة شاهد بدون طيار، والتي تحمل متفجرات أثقل من طائرات FPV، في 20 أكتوبر. روت نوموفا أنها كانت تنتظر حافلة الإخلاء في مدرسة بقرية إنجينيرن عندما وقعت الغارة. “كان هناك الكثير من الطائرات بدون طيار تحلق فوقنا. لم أعتقد قط أن مثل هذه المأساة ستحدث لي”، قالت بصوت يرتجف.

الدكتور يفهين هاران، نائب المدير الطبي بالمستشفى، وصف الإصابات الناجمة عن غارات الطائرات بدون طيار بأنها تتراوح بين بتر الأطراف والجروح المميتة. وأكد أن ما يحدث هو “مجرد صيد للناس” وأن المرضى الذين أصيبوا في الهجمات الروسية يصلون إلى المستشفى كل يوم. هذا المستشفى هو الوحيد في المنطقة المجهز للتعامل مع الحالات الأكثر خطورة.

الإصرار على الصمود في وجه الخطر

بالنسبة لسكّان خيرسون، لا تزال تجربة الاحتلال واللحظة التي تم فيها تحرير المدينة تشكل طريقتهم في التعامل مع الهجمات المستمرة. هناك إصرار على الصمود، على النحو الذي عبرت عنه هورلوفا: “لقد صمدنا حتى التحرير، وسنصمد حتى السلام أيضاً”.


ساهم في هذا التقرير مراسلا وكالة أسوشيتد برس يهور كونوفالوف وفولوديمير يورشوك في كييف بأوكرانيا.

شاركها.
Exit mobile version