أثبتت النتائج الأخيرة لشركات التكنولوجيا الكبرى أن تفوق جوجل في مجال الحوسبة ليس مجرد شعار، بل هو الواقع الذي قد يعيد تشكيل خارطة الاقتصاد الرقمي. ارتفعت أسهم جوجل بنسبة 10% بعد إعلان أرباحها الأخيرة، بينما شهدت أسهم ميتا ومايكروسوفت وأمازون انخفاضًا أو استقرارًا. إذا استمر هذا الاتجاه، فقد تصبح جوجل قريبًا الشركة الأكثر قيمة في العالم، متجاوزة بذلك شركة نفيديا الرائدة حاليًا في مجال الرقائق المخصصة للذكاء الاصطناعي.
تفوق جوجل في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي
ما يميز جوجل ويتيح لها هذا التفوق هو امتلاكها لمجموعة متكاملة من “لبنات البناء” الأساسية لتطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي استثمرت فيها على مدى عقود. تشمل هذه البنية التحتية توفير الطاقة لمراكز البيانات الضخمة، وتشغيل ملايين الشرائح والخوادم، والتحكم في شبكة ألياف عالمية. بالإضافة إلى ذلك، تقوم جوجل بتصميم مكونات أساسية مثل وحدات معالجة الموتر (TPUs) التي تلعب دورًا حاسمًا في تسريع عمليات الذكاء الاصطناعي. يتجلى هذا التفوق بوضوح في التصنيفات الأخيرة لقوة الحوسبة المخصصة للذكاء الاصطناعي، حيث احتلت جوجل الصدارة بفارق كبير.
اكتسبت أهمية هذه القدرة الحاسوبية زخمًا متزايدًا، خاصة مع اعتقاد الكثيرين في الصناعة بأن النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي ستتجه نحو التماثل في الأداء قريبًا، مع تسارع وتيرة تطوير المنافسين. في ظل هذه المنافسة الشديدة، يتحول التركيز بشكل متزايد من جودة الخوارزميات نفسها إلى القدرة على تقديم الخدمات بسرعة وموثوقية لمئات الملايين من المستخدمين.
أدركت جوجل هذه الحقيقة مبكرًا. كان لاري بيدج، أحد مؤسسي الشركة، مهووسًا بالسرعة. فقد أظهرت ورقة بحثية نشرتها جوجل عام 2009 بعنوان “السرعة مهمة” أن إبطاء نتائج البحث بمقدار 400 ميلي ثانية أدى إلى انخفاض في استخدام البحث بنسبة 0.5% تقريبًا، مع اتجاه الزيادة تدريجيًا إلى 1% بمرور الوقت. وعلى نطاق جوجل العملاق، تمثل هذه النسب خسائر بمليارات الدولارات.
مع تطور الذكاء الاصطناعي، ازدادت المخاطر. فكل استعلام يتطلب قدرًا من الحوسبة أكبر بكثير من مجرد عملية بحث، مما يجعل السرعة أكثر قيمة. هذا يفسر حجم الإنفاق الضخم الذي تخصصه شركات التكنولوجيا الكبرى للبنية التحتية، والذي يصل إلى تريليونات الدولارات.
تأثير الاستثمار في الحوسبة على الأداء المالي
تستثمر جوجل بشكل يفوق منافسيها في هذا المجال، وتظهر الفوائد واضحة. على سبيل المثال، على الرغم من النمو القوي في أعمال الحوسبة السحابية لشركة مايكروسوفت، فقد استقر معدل النمو مع تحويل الشركة لقدراتها لدعم أدوات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها. جوجل، على النقيض من ذلك، تمتلك موارد حوسبة كافية لكل من سحابتها ومشاريعها الداخلية. فقد قفزت إيرادات سحابة جوجل بنسبة 68% في الربع الأخير، بينما نمت عائدات البحث بنسبة 19%، وذلك بالتزامن مع ضخ موارد هائلة في مشاريع الذكاء الاصطناعي الداخلية مثل Gemini و AI Mode.
هذا التوسع في القدرات الحوسبية هو السبب وراء تركيز سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI، الشديد على تجميع أقصى قدر ممكن من موارد الحوسبة، حتى لو ذلك سيمتد ليشكل ضغطًا ماليًا كبيرًا على شركته. لقد اضطرت OpenAI بالفعل إلى إلغاء بعض المشاريع لعدم امتلاكها القدرة الحاسوبية الكافية. واجهت شركة Anthropic تحديات مماثلة مؤخرًا، وكان حلها هو شراء قدرات حوسبة من جوجل.
إذا كانت الحوسبة هي القدر، فإن جوجل تمتلك المستقبل، على الأقل في الوقت الحالي. يتوقع المراقبون استمرار هذا الاتجاه، مع إمكانية أن تواصل جوجل تعزيز مكانتها كقوة مهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي بفضل بنيتها التحتية المتينة وقدراتها الحاسوبية المتفوقة.

