يشهد قطاع الاستشارات العالمي تحولًا كبيرًا مدفوعًا بالذكاء الاصطناعي (AI)، حيث بدأت شركات مثل ماكينزي آند كومباني في دمج “الوكلاء الذكيين” في قوتها العاملة بشكل واسع النطاق. ووفقًا لتصريحات حديثة، أضافت ماكينزي 25,000 وكيل ذكي إلى موظفيها البالغ عددهم 40,000 شخص في أقل من عامين، مما أثار تساؤلات حول مستقبل العمل وتأثير هذه التقنيات على الميزة التنافسية للشركة. هذا التحول في استخدام الذكاء الاصطناعي يغير بشكل جذري طريقة تقديم الخدمات الاستشارية.
ماكينزي تتصدر سباق دمج الذكاء الاصطناعي في الاستشارات
أفاد الرئيس التنفيذي لماكينزي، بوب ستيرنفيلس، في حلقة من بودكاست “IdeaCast” التابع لـ Harvard Business Review، بأن الشركة تقوم بإعادة تشكيل نفسها بسرعة حول تقنيات الذكاء الاصطناعي. وبحسب تقديراته الأخيرة، يبلغ عدد القوى العاملة في الشركة 60,000 شخص، يتكون من 40,000 موظف بشري و 20,000 وكيل ذكي. هذا الرقم المؤكد، والبالغ 25,000 وكيل ذكي، تم تأكيده من قبل متحدث باسم ماكينزي لـ Business Insider.
الوكلاء الذكيون، كما هو متعارف عليهم، هم مساعدون افتراضيون قادرون على إكمال المهام بشكل مستقل. إنه بإمكانهم تحليل المشكلات، وتحديد الخطط، واتخاذ الإجراءات دون تدخل مباشر من المستخدم. هذا يمثل نقلة نوعية في طريقة عمل الشركات الاستشارية، التي تعتمد تقليديًا على التحليل البشري المكثف.
تأثير الذكاء الاصطناعي على نموذج العمل
لا يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على القوى العاملة في ماكينزي فحسب، بل يمتد ليشمل نموذج عملها أيضًا. تتجه الشركة بعيدًا عن أعمالها الاستشارية التقليدية والنهج القائم على الرسوم مقابل الخدمة. وبدلاً من ذلك، تسعى ماكينزي إلى نموذج حيث تتعاون مع العملاء لتحديد حالات الأعمال المشتركة، ثم تساعدهم في ضمان نتائج تلك الحالات.
يشير هذا التغيير إلى أن ماكينزي لم تعد مجرد مزود للمشورة، بل أصبحت شريكًا في تحقيق النجاح لعملائها، حيث تشارك في المخاطر والمكافآت. علاوة على ذلك، تعتمد الشركة بشكل متزايد على تحليل البيانات الضخمة المدعوم بالذكاء الاصطناعي لتقديم رؤى أعمق وأكثر دقة لعملائها.
التحول الرقمي في قطاع الاستشارات
لا يقتصر هذا التوجه على ماكينزي وحدها، بل يعكس تحولًا أوسع في قطاع الاستشارات. فشركات مثل Boston Consulting Group و PwC تقوم أيضًا بدمج الذكاء الاصطناعي في جوانب مختلفة من عملها اليومي. هناك تحول من إعداد العروض التقديمية والعمل الاستشاري التقليدي إلى مشاريع تحول مدفوعة بالذكاء الاصطناعي تمتد لعدة سنوات.
تستثمر هذه الشركات أيضًا في تطوير أدوات جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لتعزيز فعاليتها وكفاءتها. QuantumBlack، الذراع المتخصصة في الذكاء الاصطناعي في ماكينزي، تضم فريقًا من 1,700 متخصص وتدير 40% من أعمال الشركة، وفقًا لأليكس سينغلا، الشريك الإداري في ماكينزي الذي يقود QuantumBlack بشكل مشترك.
بالإضافة إلى ذلك، تبحث ماكينزي عن مرشحين يتمتعون بمجموعة مهارات ديناميكية، وقادرين على الانتقال بين العمل الاستشاري التقليدي والمهارات الهندسية، والعمل جنبًا إلى جنب مع الذكاء الاصطناعي. يهدف سينغلا إلى تحديد الأفراد الذين يتمتعون بالكفاءة ليصبحوا مستشارين متميزين في ماكينزي أو متخصصين في التكنولوجيا، ومن ثم تطويرهم ليصبحوا قادرين على القيام بكليهما.
Boston Consulting Group تتبع نهجًا مشابهًا، حيث أنشأت فريقًا من “المستشارين المنتشرين” الذين يقومون بـ “تحليل المشاعر” وتطوير أدوات الذكاء الاصطناعي لمشاريع العملاء.
تحديات وفرص مستقبلية
على الرغم من الفوائد الواضحة، فإن دمج الذكاء الاصطناعي في قطاع الاستشارات يطرح أيضًا بعض التحديات. من بين هذه التحديات الحاجة إلى إعادة تدريب وتأهيل الموظفين الحاليين، ومعالجة المخاوف المتعلقة بفقدان الوظائف، وضمان استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي ومسؤول. تتطلب إدارة تغيير المؤسسات بنية تحتية قوية وقيادة فعالة.
ومع ذلك، فإن الفرص التي يوفرها الذكاء الاصطناعي تفوق هذه التحديات بكثير. من خلال أتمتة المهام المتكررة وتحسين عمليات صنع القرار، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد الشركات الاستشارية على تقديم خدمات أفضل وأكثر كفاءة لعملائها. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفتح مصادر جديدة للإيرادات ويخلق فرص عمل جديدة.
من المتوقع أن يستمر قطاع الاستشارات في تبني الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة في السنوات القادمة. سيكون من المهم بالنسبة للشركات الاستشارية الاستثمار في التقنيات الجديدة وتطوير مهارات موظفيها لمواكبة هذا التغيير. الخطوة التالية المحتملة هي إطلاق المزيد من الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي ودمجها بشكل كامل في عمليات ماكينزي وآليات تقديم القيمة، بحلول النصف الثاني من عام 2025. ومن الأمور التي يجب مراقبتها التطورات التنظيمية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وتأثيرها على قطاع الاستشارات.

