في تطور لافت يعكس التغيرات السياسية المتسارعة في المملكة المتحدة، تراجعت حكومة كير ستارمر عن خططها لإطلاق بطاقات الهوية الرقمية الإلزامية، وهي مبادرة أثارت جدلاً واسعاً منذ الإعلان عنها في سبتمبر الماضي. كانت الحكومة تروج لهذه البطاقات كوسيلة للسيطرة على الهجرة، إلا أن المعارضة الشديدة من مختلف الأطراف السياسية والمجتمع المدني دفعتها إلى إعادة النظر في هذه السياسة. هذا التراجع يمثل أحدث تحول في مسار حكومة يسار الوسط، ويؤكد على الضغوط المتزايدة التي تواجهها في تنفيذ أجندتها.

تراجع حكومة ستارمر عن خطط الهوية الرقمية الإلزامية

أعلنت الحكومة البريطانية، يوم الأربعاء، أنها لن تجعل إبراز بطاقات الهوية الرقمية شرطاً أساسياً للحصول على وظيفة، متخلية بذلك عن أحد أبرز بنود السياسة المثيرة للجدل. كانت وزيرة النقل، هايدي ألكسندر، قد صرحت سابقاً بأن الهوية الرقمية يمكن أن تكون وسيلة لإثبات الأهلية للعمل، إلى جانب الوثائق التقليدية مثل جوازات السفر البيومترية.

ومع ذلك، أكدت الحكومة أنها ستشرع في وضع خطط تفصيلية لـ بطاقات الهوية الرقمية بعد إجراء مشاورات عامة شاملة. هذا الإجراء يهدف إلى تهدئة المخاوف المتزايدة بشأن الخصوصية والحريات المدنية، وجمع آراء المواطنين قبل اتخاذ أي قرارات نهائية.

خلفية القرار: الهجرة والتحول الرقمي

كان الدافع الرئيسي وراء طرح فكرة بطاقات الهوية الرقمية هو محاولة الحد من الهجرة غير الشرعية، من خلال تقليل فرص عمل الأشخاص الذين لا يحملون وثائق قانونية. كما أشارت الحكومة إلى أن هذه البطاقات ستسهل على المواطنين الوصول إلى الخدمات العامة مثل الرعاية الصحية والاجتماعية، ورعاية الأطفال.

في سبتمبر، صرح كير ستارمر بشكل قاطع بأن “عدم وجود هوية رقمية سيعني عدم القدرة على العمل في المملكة المتحدة”. هذا التصريح، الذي بدا وكأنه خط أحمر، أثار ردود فعل عنيفة، وأظهرت استطلاعات الرأي انخفاضاً ملحوظاً في الدعم الشعبي لسياسة الهوية الرقمية.

تاريخ من الجدل حول بطاقات الهوية في بريطانيا

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها بريطانيا جدلاً حول بطاقات الهوية. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، حاولت الحكومة البريطانية إدخال نظام بطاقات هوية إلزامية، لكنه لم يستمر طويلاً.

وعلى مدار العقود الماضية، ظلت الفكرة مثيرة للخلاف. ففي عام 2000، حاول رئيس الوزراء الأسبق توني بلير تقديم بطاقات هوية بيومترية كوسيلة لمكافحة الإرهاب والاحتيال، لكن الخطة باءت بالفشل بسبب المعارضة القوية من الجمهور والبرلمان. يرى الكثيرون أن هذه البطاقات تمثل انتهاكاً للحرية الشخصية، وتعرض معلومات المواطنين للخطر.

ردود الفعل السياسية على التراجع

أثار التراجع عن خطط بطاقات الهوية الرقمية ردود فعل متباينة من الأحزاب السياسية المعارضة. فقد انتقد رئيس حزب المحافظين، كيفن هولينراك، حكومة العمال، واصفاً إياها بأن “سياساتها الوحيدة الثابتة هي التراجع”.

من جانبها، قالت المتحدثة باسم الحزب الديمقراطي الليبرالي، ليزا سمارت، إن مكتب ستارمر “يحتاج إلى كميات كبيرة من أقراص دوار الحركة بهذا المعدل للتعامل مع كل المنعطفات” في السياسات. هذه التصريحات تعكس حالة عدم الثقة المتزايدة في قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات ثابتة وتنفيذها بفعالية.

مستقبل الهوية الرقمية في المملكة المتحدة

على الرغم من التراجع عن جعل بطاقات الهوية الرقمية إلزامية، إلا أن الحكومة لم تستبعد إمكانية تطوير نظام هوية رقمية طوعي في المستقبل. وتشير إلى أن المشاورات العامة القادمة ستساعد في تحديد الشكل الأمثل لهذا النظام، وكيفية ضمان حماية خصوصية المواطنين.

بالإضافة إلى ذلك، هناك نقاش متزايد حول أهمية التحول الرقمي في مختلف جوانب الحياة في المملكة المتحدة، بما في ذلك الخدمات الحكومية والقطاع الخاص. فالتحول الرقمي يمكن أن يحسن الكفاءة والشفافية، ويسهل على المواطنين الوصول إلى الخدمات التي يحتاجونها.

في الختام، يمثل التراجع عن خطط بطاقات الهوية الرقمية الإلزامية تحولاً هاماً في السياسة البريطانية. ويؤكد على أهمية الاستماع إلى آراء المواطنين، وإجراء مشاورات عامة شاملة قبل اتخاذ أي قرارات تؤثر على حرياتهم وحقوقهم. يبقى أن نرى ما إذا كانت الحكومة ستتمكن من إيجاد حل وسط يرضي جميع الأطراف، ويحقق أهدافها في مجال الهجرة والتحول الرقمي. لمزيد من المعلومات حول السياسات الحكومية، يمكنكم زيارة المواقع الرسمية للحكومة البريطانية.

شاركها.
Exit mobile version