يشير جاي كولينز، رئيس مجلس إدارة القطاع العام في سيتي بنك، إلى أن صعود الذكاء الاصطناعي والروبوتات يمثل تهديداً مستقبلياً للنظام الرأسمالي الحالي، مؤكداً على ضرورة تعديله وإعادة تشكيله لمواكبة هذه التطورات. ويأتي هذا التحذير في سياق سلسلة مقالات حول مستقبل الرأسمالية، حيث يوضح كولينز التأثير المحتمل للروبوتات على القوى العاملة، وخاصة على الطبقة الوسطى، ويقترح مفاهيم مثل “عائد الإنتاجية” كحلول محتملة. وقد قضى كولينز أكثر من ثلاثة عقود في تقديم المشورة للمسؤولين الحكوميين خلال الأزمات المالية.
تأثير الذكاء الاصطناعي والروبوتات على الرأسمالية
يرى كولينز أن الموجة الأولى من تأثير الذكاء الاصطناعي تستهدف الوظائف المعرفية، وتشمل القطاعات التي تتطلب شهادات جامعية مثل البرمجيات، والمالية، والإعلام، والاستشارات، والمحاماة. وهذا يتزامن مع ما يصفه بـ “اقتصاد الكي” (K-shaped economy)، حيث يعاني نصف السكان من صعوبات اقتصادية، بينما يستفيد 10% الأفضل دخلاً من مكاسب الثروة، مما يزيد من الفجوة بينهم وبين الطبقة الوسطى التي لم تتأثر بعد بشكل مباشر لكنها تفتقر للأصول الاستثمارية.
ويتوقع كولينز أن يتوسع تأثير هذه الموجة ليشمل قطاعات أخرى مع تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. ويقسم تطور الذكاء الاصطناعي إلى أربع مراحل: الترقب الأولي للذكاء الاصطناعي التوليدي، ثم الذكاء الاصطناعي الوكيل (Agentic AI) الذي يمكنه اتخاذ الإجراءات، يليه الذكاء الاصطناعي المادي (Physical AI) المرتبط بالروبوتات والإنتاج على نطاق واسع، وأخيراً الذكاء الاصطناعي العام (AGI) فائق الذكاء، الذي يمثل التحدي الأكبر لمستقبل الرأسمالية. يذكر أن التأثير القوي على الوظائف في القطاع الصناعي “الأزرق الياقات” لم يبدأ بعد، ويتوقع أن يحدث خلال عامي 2028 أو 2029.
الاستجابة السياسية للتغيرات الاقتصادية
يشير كولينز إلى أن أدوات السياسة النقدية التقليدية، مثل التي يستخدمها الاحتياطي الفيدرالي، قد تصبح محدودة الفعالية في مواجهة هذه التحديات. ويرى أن الأرقام الاقتصادية الكلية قد تفقد معناها أو حتى تصبح مضللة في ظل تأثيرات الذكاء الاصطناعي والروبوتات، التي قد تؤدي إلى انخفاض قيمة العمل، مما يستدعي تحولاً نحو السياسات المالية، وتوزيع الثروة، وشبكات الأمان الاجتماعي.
وتشكل المنافسة الجيوسياسية، خاصة مع الصين، عاملاً مهماً يدفع سباق التطور التكنولوجي. ويؤكد خبراء التكنولوجيا أنهم يفضلون إبطاء وتيرة التطورات نظراً لعدم الاستعداد الكافي، لكنهم يدركون أن الظروف العالمية تجعل من الصعب التوقف.
مقترحات لمستقبل الرأسمالية
للتغلب على التحديات المستقبلية، يقترح كولينز ضرورة التعاون بين صانعي السياسات وقادة الأعمال لإيجاد حلول. وعلى الرغم من التحفظات تجاه مفهوم “الدخل الأساسي الشامل” (UBI) من قبل مختلف الأطياف السياسية، إلا أن البعض يعتبره استجابة ضرورية. ويحذر من أن عدم وجود استجابة مناسبة قد يؤدي إلى نهاية مأساوية للرأسمالية والديمقراطية.
يقترح كولينز تسمية الحل بـ “عائد الإنتاجية” لتجنب الإرث السلبي المرتبط بالدخل الأساسي الشامل. يمكن البدء بتطبيق هذا المفهوم على مستويات منخفضة لتجنب التأثير المادي على الحافز الذاتي للعمل، مع إمكانية إلغاء بعض برامج المزايا الحالية التي يعتريها القصور. ويهدف هذا النهج إلى توفير طبقة أساسية يمكن البناء عليها مع تطور الوضع الاقتصادي.
تتضمن الأفكار المطروحة لتمويل ذلك فرض ضرائب على الروبوتات، والذكاء الاصطناعي، والأصول، أو تعديل معدلات الضرائب على الشركات. كما يقترح إمكانية تطبيق “مساواة إلزامية” في الثروة، إما عبر صناديق سيادية أو إعادة تصميم شاملة لنظام الرعاية الاجتماعية، لضمان المشاركة في نمو الثروة.
ويرى كولينز أن إنشاء لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وقادة قطاعات الأعمال والتكنولوجيا، وعمال، يمكن أن يسهم في دراسة هذه القضايا بعمق وتقديم توصيات. قد تستغرق هذه العملية وقتاً، لكنها قد توفر أساساً للمناقشات والتوصل إلى حلول وسط تفيد المجتمع.

