تتزايد المخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل، حيث حذر الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك، داريو أمودي، من أن الذكاء الاصطناعي قد يقضي على نصف الوظائف المكتبية ذات المستوى الأدنى خلال السنوات الخمس المقبلة. يأتي هذا التحذير في ظل التطورات السريعة التي يشهدها هذا المجال، والتي تثير تساؤلات حول مستقبل التوظيف والاقتصاد العالمي.
صرح أمودي، في ديسمبر خلال قمة DealBook التي نظمتها صحيفة نيويورك تايمز، بأنه لا يسعى إلى زرع التشاؤم، بل إلى تحذير الناس من هذه المخاطر كخطوة أولى نحو إيجاد حلول لها. في نهاية عام 2024، لا يزال أمودي يرى أن هناك العديد من الأمور التي تستدعي الحذر والتفكير العميق بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي.
تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف: نظرة داريو أمودي
أعرب أمودي عن قلقه بشأن المخاطر الأمنية القومية المحتملة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى صعوبة ضمان توافق نماذج الذكاء الاصطناعي مع القيم الإنسانية. وشدد على أن التأثير الاقتصادي للذكاء الاصطناعي هو مصدر قلق بالغ، حيث يمكن أن يؤدي إلى فقدان الوظائف على نطاق واسع، مما يتطلب إعادة هيكلة للأسواق والمهارات.
في حين يرى البعض أن الذكاء الاصطناعي يمثل تهديدًا وجوديًا، يعتقد أمودي أيضًا أنه يمكن أن يفتح الباب أمام إمكانات هائلة، مثل إطالة متوسط العمر المتوقع إلى 150 عامًا. ومع ذلك، يرى أن تحقيق هذه الإمكانات يتطلب التعامل بحذر ومسؤولية مع التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي.
يشير أمودي إلى أن القلق لا يقتصر على المراقبين الخارجيين، بل يشمل أيضًا العديد من الأشخاص الذين يعملون في تطوير هذه التكنولوجيا. فهؤلاء المطورون يدركون جيدًا الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، لكنهم في الوقت نفسه يشعرون بالمسؤولية تجاه المخاطر المحتملة.
مسيرة داريو أمودي المهنية
تحت قيادة أمودي، تتمتع أنثروبيك بموقع قوي في سباق التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث تسعى الشركة إلى تطوير نماذج ذكاء اصطناعي آمنة وموثوقة. بدأ أمودي مسيرته المهنية كباحث في مجال الفيزياء، قبل أن يتحول إلى مجال الذكاء الاصطناعي.
ولد داريو أمودي عام 1983 في سان فرانسيسكو لأب وأم يعملان في مجالات مختلفة. درس الفيزياء في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (كالتك)، ثم انتقل إلى جامعة ستانفورد لإكمال دراسته. تأثرت مسيرته المهنية بوفاة والده بسبب مرض نادر، مما دفعه إلى التركيز على إمكانات التكنولوجيا في تحسين الرعاية الصحية.
بعد حصوله على الدكتوراه، انضم أمودي إلى شركة بايدو الصينية، حيث عمل على تطوير أنظمة التعرف على الكلام. وخلال فترة عمله في بايدو، أدرك أهمية زيادة كمية البيانات وقوة الحوسبة لتحسين أداء نماذج الذكاء الاصطناعي.
الانتقال إلى OpenAI والانفصال عنها
في عام 2014، انتقل أمودي إلى OpenAI، حيث لعب دورًا مهمًا في تطوير نماذج اللغات الكبيرة مثل GPT-2 و GPT-3. لكنه سرعان ما شعر بالإحباط بسبب اختلال التوازن بين السعي وراء التطور التكنولوجي والاهتمام بقضايا السلامة والأمان.
في عام 2020، استقال أمودي من OpenAI بسبب خلافات حول التوجه الاستراتيجي للشركة. وانتقد قيادة الشركة لعدم الاهتمام الكافي بقضايا السلامة والمسؤولية الاجتماعية. ويرى أن OpenAI فقد تركيزها على تطوير الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة ومفيدة للبشرية.
تأسيس أنثروبيك ورؤيتها المستقبلية
بعد مغادرته OpenAI، أسس أمودي شركة أنثروبيك مع شقيقته دانييلا وعدد من زملائه السابقين. تهدف أنثروبيك إلى تطوير نماذج ذكاء اصطناعي آمنة وموثوقة، مع التركيز على قضايا الأخلاق والشفافية.
حصلت أنثروبيك على تمويل كبير من شركات مثل مايكروسوفت، مما سمح لها بتوسيع نطاق عملياتها وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي متطورة. وتعتبر أنثروبيك منافسًا قويًا لـ OpenAI، حيث تسعى إلى تقديم حلول مبتكرة في مجال الذكاء الاصطناعي.
تتبنى أنثروبيك نموذجًا تجاريًا يركز على تقديم خدماتها للشركات والمؤسسات، بدلًا من استهداف المستهلكين بشكل مباشر. ويرى أمودي أن هذا النموذج يوفر إيرادات مستدامة ويسمح للشركة بالاستثمار في البحث والتطوير. هذا التوجه يأتي بالتوازي مع تطورات التعلم الآلي و تطبيقاته.
في نوفمبر 2023، أعلنت أنثروبيك عن شراكة استراتيجية مع شركة Nvidia بقيمة 5 مليارات دولار أمريكي، لتعزيز قدراتها في مجال الحوسبة وتطوير نماذج الذكاء الاصطناعي. ويعتقد أن هذه الشراكة ستساعد أنثروبيك على تسريع وتيرة الابتكار والحفاظ على مكانتها في طليعة الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي.
يبدو أن المستقبل القريب سيشهد منافسة متزايدة بين الشركات الرائدة في مجال تطوير الذكاء الاصطناعي، حيث تسعى كل منها إلى تقديم حلول مبتكرة تلبي احتياجات السوق المتغيرة. وستستمر المخاوف بشأن التأثير المحتمل للذكاء الاصطناعي على سوق العمل في التصاعد، مما يتطلب جهودًا متضافرة من الحكومات والشركات والمجتمع المدني لإيجاد حلول مستدامة.
من المتوقع أن تشهد الأشهر القليلة القادمة المزيد من التطورات في مجال الذكاء الاصطناعي، مع إطلاق نماذج وتقنيات جديدة. وسيكون من المهم مراقبة هذه التطورات عن كثب، وتقييم تأثيرها المحتمل على الاقتصاد والمجتمع. كما سيكون من الضروري الاستمرار في الحوار حول قضايا السلامة والأمان والأخلاق المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، لضمان استخدامه بطريقة مسؤولة ومفيدة للبشرية.

