في قرار تاريخي يسلط الضوء على خطورة التحرش الإلكتروني، أدانت محكمة فرنسية عشرة أفراد بتهمة التنمر الإلكتروني الموجه ضد السيدة الأولى في فرنسا، بريجيت ماكرون. وقد اتُهم هؤلاء الأفراد بنشر ادعاءات كاذبة ومؤذية عبر الإنترنت، تتضمن إشاعات حول هويتها الجنسية وحياتها الشخصية، بما في ذلك الادعاءات التي زعمت أنها ولدت ذكراً. يمثل هذا الحكم سابقة قضائية هامة في فرنسا، حيث تزايدت حالات التحرش عبر الإنترنت التي تستهدف الشخصيات العامة، وتحديدًا النساء. يهدف هذا الإجراء إلى حماية الشخصيات العامة من الإساءة ووضع حد لانتشار المعلومات المضللة.

أحكام بالسجن ودورات توعية: تفاصيل القضية

أصدرت المحكمة أحكامًا متفاوتة على المتهمين، حيث حُكم على أحدهم بالسجن لمدة ستة أشهر، بينما حصل ثمانية آخرون على أحكام مع وقف التنفيذ تتراوح بين أربعة وثمانية أشهر. بالإضافة إلى ذلك، ألزمت المحكمة جميع المتهمين العشرة بحضور دورات توعية حول مخاطر وأضرار التنمر الإلكتروني.

تعتبر الأحكام الصادرة تعبيرًا واضحًا عن رفض المحكمة للتعليقات “المهينة والمهينة والخبيثة بشكل خاص” التي تم نشرها ضد السيدة ماكرون. وقد أشارت المحكمة إلى أن هذه المنشورات المتكررة تسببت في “آثار ضارة تراكمية” على السيدة الأولى وعائلتها.

تفاصيل الادعاءات الكاذبة والاتهامات

تركزت الاتهامات الموجهة ضد المتهمين على نشرهم تعليقات كاذبة تزعم أن زوجة الرئيس إيمانويل ماكرون ولدت كذكر، بالإضافة إلى تشويه الفارق العمري بينهما (24 عامًا) والربط بينه وبين سلوكيات مسيئة. وقد انتشرت بعض هذه المشاركات على نطاق واسع، حيث حصدت عشرات الآلاف من المشاهدات. تجاوزت هذه الحملات حدود السخرية والتعليق لتصل إلى مستوى الاتهامات الباطلة التي تهدف إلى الإساءة المتعمدة.

شهادة مؤثرة ورفض للتبريرات

على الرغم من أن بريجيت ماكرون لم تحضر المحاكمة التي استمرت يومين، إلا أن ابنتها، تيفين أوزيير، قدمت شهادة مؤثرة وصف فيها “تدهور” حياة والدتها منذ بدء المضايقات عبر الإنترنت. وأكدت أوزيير أن والدتها لم تستطع تجاهل هذه التعليقات الفظيعة، وأن الأمر ترك أثرًا عميقًا على الأسرة بأكملها، بما في ذلك أحفاد ماكرون. وهذا يزيد من أهمية مكافحة التحرش بالمرأة في الفضاء الرقمي.

خلال المحاكمة، حاول العديد من المتهمين تبرير سلوكهم، زاعمين أن تعليقاتهم كانت مجرد مزاح أو سخرية، وأنهم لم يدركوا حجم الضرر الذي كانوا يتسببون فيه. إلا أن المحكمة رفضت هذه التبريرات، وأكدت على خطورة أفعالهم وتأثيرها المدمر على حياة السيدة ماكرون.

تفاصيل حول بعض المتهمين والأحكام

أبرز المتهمين الذين صدرت بحقهم أحكام في هذه القضية:

  • مدير الأصول العقارية: حُكم عليه بالسجن لمدة ستة أشهر، مع إمكانية تنفيذ العقوبة في المنزل مع وضع سوار إلكتروني أو اتباع شروط أخرى يحددها القاضي.
  • دلفين جيغوسي (أماندين روي): وهي امرأة تصف نفسها بأنها وسيطة ومؤلفة، يُعتقد أنها لعبت دورًا رئيسيًا في نشر الشائعات، وقد حُكم عليها بالسجن لمدة ستة أشهر. نشرت مقطع فيديو مدته أربع ساعات على قناتها على يوتيوب في عام 2021، يتضمن هذه الادعاءات الكاذبة.
  • أوريلين بوارسون أتلان (زوي ساجان): تم تعليق حسابه على منصة X (تويتر سابقًا) في عام 2024 بعد إثارته جدلاً واسعًا. حُكم عليه بالسجن لمدة ثمانية أشهر مع متهم آخر، وهو صاحب معرض فني.

المتهم الوحيد الذي لم يُحكم عليه بالسجن هو معلم، والذي اعتذر عن تصرفاته خلال المحاكمة. وسيتعين عليه حضور دورات التوعية بـ الجرائم الإلكترونية.

التعويض المالي وتأثير القضية

بالإضافة إلى الأحكام الجنائية، ألزمت المحكمة المتهمين العشرة بدفع مبلغ 10 آلاف يورو (حوالي 11675 دولارًا أمريكيًا) بشكل مشترك كتعويض للسيدة بريجيت ماكرون عن الأضرار المعنوية التي لحقت بها. وأكدت المحكمة أن الأحكام الصادرة كانت متناسبة مع خطورة التعليقات المسيئة التي نشرها المتهمون.

تأتي هذه القضية في أعقاب سنوات من نظريات المؤامرة التي انتشرت على نطاق واسع، والتي زعمت كذبًا أن بريجيت ماكرون ولدت تحت اسم جان ميشيل تروجنيوكس، وهو في الواقع اسم شقيقها. وقد اتخذ آل ماكرون أيضًا إجراءات قانونية في الولايات المتحدة ضد المؤثرين المحافظين كانديس أوينز بتهمة التشهير.

تعتبر هذه القضية بمثابة رسالة واضحة مفادها أن التحرش الإلكتروني ليس جريمة بلا عقاب، وأن القانون سيحمي الضحايا ويحاسب الجناة. كما تسلط الضوء على أهمية التوعية بمخاطر الجرائم الإلكترونية وضرورة اتخاذ تدابير وقائية لحماية الأفراد من الإساءة عبر الإنترنت.

مكافحة التحرش الإلكتروني: ضرورة مجتمعية

إن مكافحة التحرش الإلكتروني، وخصوصًا ضد النساء والشخصيات العامة، تتطلب جهودًا مجتمعية مشتركة. ويجب على منصات التواصل الاجتماعي أن تتحمل مسؤوليتها في إزالة المحتوى المسيء ومنع انتشاره، بالإضافة إلى توفير آليات فعالة للإبلاغ عن هذه الانتهاكات. كما يجب على الأفراد أن يكونوا جزءًا من الحل من خلال رفض نشر أو مشاركة أي محتوى يهدف إلى الإساءة أو التحريض على الكراهية.

شاركها.
Exit mobile version